أحد عشرة من أفراد أسرتي استشهدوا، وأنا واثنين آخرين أُصبنا بجروح خطرة

البرنامج ساعدهم في البحث عن مواطن القوة الايجابية، والتخطيط للمستقبل، وتغيير النظرة التشاؤمية

إعداد: رجاء عيد – هناء والي – محاميات في برنامج غزة

في حوالي الساعة الرابعة من يوم الاثنين، الخامس من كانون الثاني/ يناير الماضي، قرر والدي وجميع أفراد عائلتي الخروج من المنزل والتوجه لبيت عمتي فايدة والتي تسكن في حي الشيخ رضوان، وذلك نتيجة خوفنا الشديد من قصف بيت أحد الجيران، فخرجت أنا ووالدي وإخوتي فضل وعصام وهاشم ووالدتي نهلة وأخواتي سميرة وفاطمة وياسمين، فيما توجه أخي محمد وزوجته أحلام لبيت أنسبائه في منطقة الشيخ رضوان أيضاً، وبقي في البيت في الطابق السفلي عمي معين وأولاده وجدتي وعمي حسين، وفي تلك الليلة نمنا في بيت عمتي في الشيخ رضوان، وفي حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل اتصل عمي حسين على والدي و أبلغه أن بيت جيراننا من عائلة أبو عسكر تم قصفه، وتم تدميره بالكامل علما أنهم كانوا مخليين بيتهم بعد اتصال الجيش الإسرائيلي عليهم، وفي اليوم الثاني طلب والدي منا الرجوع لبيتنا لنقوم بتنظيفه من الزجاج الذي تحطم نتيجة قصف بيت جيراننا، وبالفعل رجعنا لمنزلنا وقمنا بتنظيفه، وتناولنا فيه طعام الغداء، ولكن في حوالي الساعة الثانية والنصف سمعنا صوت انفجارات قريبة، حيث أُبلغنا فيما بعد من أحد الجيران أن صاروخين سقطا وانفجرا في البيارة المجاورة، وهذا ربما يكون تحذير لقصف آتي للمسجد المجاور ( مسجد أبو بكر الصديق ) و الذي يوجد خلفنا مباشرة.

وبناءاً على ذلك أبلغنا أفراد أسرتنا المتواجدين في الطابق العلوي للمنزل بالنزول، ونزلنا جميعا وجلسنا في معرش على باب البيت، وبعد حوالي خمس دقائق، أي في الساعة الثالثة والنصف سمعنا صوت قذيفة تسقط في بيارة مجاورة لا يفصل بيننا وبينها إلا السور فقط، وبعد سقوط القذيفة هربت خلف البيت أنا وابن جيراننا مهند، كما أن العديد من الموجودين هربوا من المكان ومن ثم عادوا إليه بعد لحظات، ولكن ما هي إلا ثوانٍ معدودات حيث دوى انفجار لم اسمع من صوته شي باستثناء صوت صفير في أذني، فقدت بعدها الرؤية من حولي من كثافة الدخان الذي ملأ المكان.

ويقول الطالب الجامعي زياد سمير شفيق ديب من مواليد عام  1986، بمعسكر جباليا– قرب مدرسة الفاخورة، والذي يدرس بجامعة الأقصى– تخصص تصميم و ديكور، في إفادته التي أعطاها لبرنامج غزة للصحة النفسية تحت القسم "وفي هذه اللحظات نطقت الشهادة وسمعت أكثر من واحد بجواري ينطقون الشهادة أيضاً ولكن بصوت مرتفع، وحين فتحت عينيَّ وتمكنت من الرؤية شاهدت ابن عمي محمد معين ينظر إلي وهو يرفع بنفسه عن الأرض، ومن ثم وقع ثانية، حيث إنني كنت ملقى على الأرض فوق أخي محمد، والذي شعرت أنه قد فارق الحياة لأن جسمه كان ملئ بالدم، وحين حاولت أن ارفع نفسي عنه وجدت رجليَّ خلفي مقطوعتان، فنظرت حولي فلم أرى سوى الدماء والجثث في كل مكان من حولي، والوحيد الذي شعرت أنه ما زال على قيد الحياة هو ابن عمي محمد".

وكان بجوار يدي اليمنى ابنة عمي أسيل مستشهدة، وحين نظرت باتجاه الشمال كان والدي مُلقى على وجهه وكانت الدماء تسيل من جسده بغزارة، وبجواره جدتي شمه سالم ديب تجلس على الكرسي وكان الدم ينزل من فمها وأذنيها وجسدها، وكان رأسها للخلف ولا يوجد بها حركة، فأيقنت أنها استشهدت أيضاً، وهذا كل ما رأيته فقط لحظة الحدث لأن الآخرين كانوا موزعين في أماكن عدة لم أقوَّ على الانتقال من مكاني لرؤيتهم، فمنهم من هو مصاب ومنهم من استشهد ودفن دون أن أراه، حيث شعرت أن سيارات الإسعاف أخذت وقتاً طويلاً حتى حضرت، وكان أول من حضر للمكان هو ابن جيراننا عوني فرحات والذي حاول جاهداً إسعاف أي شخص، ولكنه كلما أمسك بأحد وجده قد استشهد، فيتركه و ينتقل للآخر، وكان يبحث عن من هو حي ليتمكن من إسعافه، ومن هول المنظر لم يستطع فعل شئ حتى حضر الناس للمكان ومن ثم سيارات الإسعاف التي قامت بنقلي والجميع إلى مستشفى كمال عدوان، فشاهدت هناك أعداداً كبيرة من الشهداء و الجرحى ملقون على الأرض، كما أن الأطباء في هذه اللحظة بدءوا بعمل إسعاف أولي لي وتضميد جراحي، حيث اتضح أنني مصاب في يدي اليمنى وإصبعي مبتور وتسيل منه الدماء، ومصاب أيضاً في بطني الأمر الذي جعلهم يحولوني إلى مستشفى الشفاء.

وحين وصلت قسم الاستقبال في مستشفى الشفاء نظر إلي الأطباء وقالوا بسرعة إلى العمليات، وبعد انتهاء العملية سمعت الأطباء وأنا في غرفة الإفاقة يبحثون لعمي حسين عن مكان فارغ لوضعه إلى جانبي وعندما أحضروه كان خارج لحظتها من غرفة العمليات ولم يفق بعد، وحين أفقت من أثر العملية سألت أحد الموجودين عن أخبار أهلي ووالدي وإخوتي فقال لي بخير لا تخاف لا يوجد بهم شي، وأعدت عليه السؤال مرة أخرى فقال لي كلهم بخير وأنا كنت أعلم أنهم مستشهدين حيث أنني كنت أتذكر كل ما شاهدته لحظة الحدث، وفي اليوم الثاني للحادث حضر عمي عصام فسألته ما أخبار أبي، فقال لي ادعوا له بالرحمة، وسألني أنت بتعرف مين استشهد فقلت له أسماء الذين رأيتهم في بداية الحدث، وعندما قام ليخرج للجنازة سألته هل يوجد أحد غيرهم فقال لي الذين استشهدوا كثير، وبدأ يعد لي فقال لي أبوك سمير (43 عاماً)، وأخوك محمد (24 عاماً)، وأختك فاطمة (21 عاماً)، وأخوك عصام (13 عاماً)، وزوجة عمك أمال (37 عاماً)، وعدد لي أيضا أولادها أولاد عمي، وهم محمد (16 عاماً)، وأسيل (9 أعوام)، وألاء (19 عاماً)، ومصطفى (13 عاماً)، وابنة عمي نور (4 أعوام)، وجدتي شمه (71 عاماً)، وقال لي بان أحلام زوجة أخي محمد موجودة في مستشفى كمال عدوان، وهي بخير وإصابتها خفيفة، وبعد ذلك  مكثت أسبوع في مستشفى الشفاء وبتاريخ 11/1/2009 تم تحويلي لمصر لمستشفى مبارك في العريش و عملوا لي هناك إسعافات أولية وبعد حوالي ساعتين وفي نفس اليوم تم تحويلي لمستشفى المعادي للقوات المسلحة في القاهرة و مكثت هناك ما يقارب من 20 يوماً رجعت بعدها للبيت بتاريخ 2/2/2009.

و اذكر هنا أن والدي سمير متزوج من نهلة ولهم من الأبناء 5 أولاد و4 بنات، كما أن أخي محمد متزوج من أحلام التي أصيبت في الحدث، وأختي فاطمة طالبة في جامعة الأقصى، وألاء ابنة عمي معين طالبة في كلية المجتمع، أما من أُصيب من عائلتنا فهم أنا زياد (22 عاماً)، وقد أُصبت في منطقة البطن و اليد اليمنى وبتر القدمين، وزوجة أخي أحلام فريد ديب (19 عاماً)، وقد أصيبت بشظايا في أنحاء جسدها، وإصابة شديدة في الأرجل، وهي حاليا في تركيا تتلقى العلاج، وعمي حسين (27 عاماً)، أصيب في البطن و القدم اليسرى.

وعندما كنت في مصر، كنت أفكر كيف يمكنني الرجوع للبيت واستيعاب الدخول لمكان الحادث مرة أخرى، ولكن عندما عدت كان الأمر مختلف حيث وصلت للبيت بالإسعاف، وعندما فتحوا الباب شاهدت من تبقى من العائلة، وفي هذه اللحظة فرحت لأنني شاهدتهم ونسيت الحدث لحظتها ومن كثرة الزوار والأشخاص المتواجدين دائما بجواري لم اشعر بالحدث.

وهنا يقول فريق من الأخصائيين بالبرنامج أنهم قاموا بعمل زيارة له ولعائلته، ومن خلال المتابعة تبين ظهور العديد من الأعراض النفسية لديهم والتي تمثلت في مشاكل في النوم كالأرق والكوابيس الليلية ومشاكل في الأكل وفقدان الشهية، وقد ظهرت لديهم مشاعر الخدر وفقدان الأمل ومعايشة الحدث، بالإضافة إلى التجنب، وهذه جميعها تسمى أعراض ما بعد الصدمة PTSD.

وقد قام الفريق بإعداد خطة علاجية تضمنت القيام بعمل تفريغ انفعالي لإتاحة الفرصة للتعبير عن مشاعرهم المؤلمة وإعادة وصف الحدث بتفاصيله، وكذلك تم الحديث معهم حول هذه الأحداث والأعراض المصاحبة وردود الفعل التي تعتبر طبيعية في ظل الأحداث غير الطبيعية وذلك ضمن التثقيف النفسي الذي تم التركيز عليها، وشدد الفريق على أهمية تعزيز الشبكة الاجتماعية، والعمل على تصحيح الأفكار والمشاعر غير الصحيحة، ومن خلال العمل معهم تم التركيز على مواطن القوة الايجابية لدى الأفراد ومساعدتهم في التخطيط للمستقبل والعمل على تغيير النظرة التشاؤمية، كما تم تدريبهم على بعض التمرينات التي تساعدهم في التخفيف من هذه الأعراض مثل تمارين التنفس العميق والاسترخاء.

وتم الاتفاق مع عائلة ديب على استمرار المتابعة والعلاج من قبل أخصائيي البرنامج خلال الزيارات المنزلية الأسبوعية خلال الفترة القادمة