أصبحت الكابونات، والوقوف على أبواب الجمعيات جزءاً من حياتهم

العمال المتعطلون عن العمل... بين خطط وسياسات لا تسمن ولا تُغني من جوع، وواقع مرير، ومستقبل غامض

تحقيق صحفي/ إياد الحسني – برنامج غزة للصحة النفسية

"يحمل عدداً من الأغلفة البلاستيكية الفارغة لبطاقات الهوية، والأشرطة اللاصقة للجروح، وبعض الولاعات، والعلكة المصرية، ويتقدم بها نحو كل سيارة تقف عند الإشارة الضوئية، ماداً يديه داخلها وكأنه يستجدي سائقاها وركابها من الذكور والإناث لشراء أي شيء منها".

وما إن يفرُغ الحاج "أبو محمد" الذي قارب عمره على الـ (70 عاماً) من عرض بضاعته على ركاب هذه السيارات القادمة من الشرق إلى الغرب حين تُضيء الإشارة لونها الأخضر، حتى يُسارع الخطى لعرضها مرة أخرى على ركاب تلك السيارات المتوقفة في الاتجاه المعاكس على الإشارة المضيئة لونها الأحمر، غير آبهاً بمن يضغط على الفرامل بقوة، تفادياً لدهسه، أو بمن يُطلق العنان لبوق سيارته محذراً إياه، أو بمن يُشيح بوجهه عنه، أو حتى بمن يُطرِق على مسامعه بعض العبارات التي لا تليق أن تُقال لعجوز أبى إلا أن يكسب قوت يومه بعرق جبينه.

ما إن يبزغ فجر يوم جديد، حتى يسارع الحاج أبو محمد الذي انضم منذ بداية انتفاضة الأقصى إلى جيش المتعطلين عن العمل، لأخذ مكانه على مفترق السرايا، تقاطع شارعي عمر المختار مع الجلاء وسط مدينة غزة، وهو الشارع الرئيسي والحيوي في محافظة غزة، وحوله العديد من الأطفال الذين لم تتوقف ألسنتهم عن ترديد عبارات ما أنزل الله بها من سلطان.

حال أبو محمد هذا، هو حال آلاف العمال المتعطلين عن العمل الذين لا يجدون قوت يومهم لسد رمق جوع أطفالهم بفعل الحصار، فمنهم من يصحو مبكراً كما اعتاد في كل يوم ليتجول في شوارع المدينة وأزقتها طارقاً أبواب الجمعيات والمؤسسات الخيرية عله يجد لديها ما يحمله لأسرته من كابونات، لأن هذا الشيء أصبح جزءاً من حياته وحياة الكثيرين في غزة، ومنهم من ينتظر عل الله أن يبدل هذا الحال بأحسن منه.

عمر: سوق العمل في غزة لا يتحمل ما كانت تستوعبه إسرائيل في مصانعها ومزارعها

وفي هذا السياق يقول المواطن أيمن عمر من مخيم جباليا للاجئين والمتعطل عن العمل منذ بداية انتفاضة الأقصى "بعد إغلاق سوق العمل في إسرائيل بدأت أحوالنا تتدهور يومياً، لأن سوق العمل في قطاع غزة والذي توقف تماماً منذ أكثر من أربعة أعوام بسبب الحصار الجائر المفروض عليه، لا يستطيع أن يتحمل هذه الأعداد الهائلة من العمال الذين كانت تستوعبهم إسرائيل في مصانعها ومزارعها".

وأضاف عمر الذي يُعيل أسرة مكونة من 3 أفراد، ويعطي جزءاً مما يحصل عليه من هناك وهناك لوالده المتعطل عن العمل أيضاً، "أنا شخصياً لا أتذكر أني عملت خلال السنوات الإحدى عشر الماضية سوى لأيام معدودة، إما في العتالة، أو الحفر، رغم أن مثل هذه الأعمال لم أمارسها من قبل، بل كنت أرفض العمل فيها أيضاً، لأنني أتقن صنعة تركيب الرخام، وعمل الديكورات داخل وخارج المنازل، مشيراً إلى أن استمرار الأوضاع على هذا المنوال سيدفع بالمجتمع الفلسطيني كله إلى حافة الجوع، وإلى كارثة لا تُحمد عقباها.

وتابع "عندما أرى آلاف الأطفال والطلبة ذاهبون إلى مدارسهم كل صباح، أتساءل عن أي مستقبل ينتظرهم إذا كان آباؤهم لم يؤسسوا أي مستقبل لهم، فالبحر والجو والبر في غزة محاصر، وحال معظم سكان المخيم من الشباب كحالي أنا، سرعان ما نلتقي في ظل محل تجاري مُغلق أبوابه، أو بجانب جدار منزل هجره سكانه، لنشكي لبعضنا البعض بعضاً من همومنا". 

وطالب عمر وكالة الغوث الدولية "أونروا" بإعادة توزيع المساعدات على جميع سكان قطاع غزة دون استثناء، كما كان الأمر في بداية الستينات، لأن الشعب الفلسطيني أصبح جميعه بحاجة إلى مساعدة، وأضحى اليوم أفقر مما كان عليه قبل خمسين وستين عاماً، لأن سكانه لا يعرفون إلى أين يذهبون، ولا يستطيعون الخروج أو الهروب من أبواب هذا السجن الكبير المسمى غزة، حيث لا عمل ولا مياه ولا كهرباء ولا أمل حتى في غد أفضل".

العمري: ضعف إمكانيات المؤسسات الداعمة للاتحاد يشكل عائقا أمام نصرة قضايا العمال

ومن جهته أكد منسق عام اتحاد اللجان العمالية المستقلة بقطاع غزة فايز العمري أن الاتحاد الذي تأسس في بداية العام 2004، وكان امتدادا لحركة عمالية نشطة نشأت في العام 2002، يعيش الآن أزمة مالية خانقة نتيجة شح الإمكانيات المادية المتوفرة لديه، مشيراً إلى أن الاتحاد ومنذ تأسيسه كان يعتمد اعتمادا كليا في تمويل نشاطاته لاسيما المسيرات العمالية وطباعة اللافتات وإقامة خيام الاعتصام في جميع أنحاء القطاع على الدعم المادي الذي يتلقاه من مركز الديمقراطية وحقوق العاملين، وجمعية الهلال الأحمر بقطاع غزة، وبرنامج غزة للصحة النفسية، إلا أنه وبعد أحداث حزيران من العام 2007 وسيطرة حماس على القطاع، أصبحت تلك المؤسسات تعاني من شح دعم الدول المانحة لها، وبالتالي عاد ذلك بالسلب على الاتحاد.

وأضاف العمري، إن الاتحاد وبالرغم من قلة الإمكانيات، وشح الموارد المادية، ما زال يحافظ على إنجازاته السابقة ويعمل على تطويرها، إذ أنه نظم فعالية ضخمة شارك فيها جميع العمال والمتعطلين عن العمل في مختلف أنحاء القطاع لمناسبة الأول من آيار عيد العمال العالمي، للمطالبة بحقوقهم المشروعة لاسيما المتعلقة بتوفير فرص للعمل، وإعفاء أبنائهم الطلبة من الرسوم الجامعية والمدرسية، وتوفير تأمين صحي مجاني لهم، مبيناً أن تنظيم هذه الفعالية الضخمة جري بالتنسيق مع بعض المؤسسات الأهلية.

وأشار إلى أن الاتحاد عاقد العزم على مواصلة تنظيم الفعاليات الداعمة لمطالب العمال العادلة، خاصة صرف بعض المساعدات الطارئة للعمال المتعطلين عن العمل من خلال وزارة العمل، وتوفير فرص عمل مؤقتة "بطالة" للأكثر احتياجا منهم، كما أنه سيخاطب أصحاب القرار والمؤسسات ذات العلاقة بالعمال من أجل التخفيف من معاناتهم التي تتفاقم يوماً بعد يوم في ظل الحصار الجائر المفروض على قطاع غزة منذ نحو 4 سنوات.

وقال العمري إن الحكومة المقالة في غزة كما السلطة في الضفة الغربية مطالبة بإعفاء العاطلين عن العمل من رسوم الكهرباء والمياه التي تراكمت عليهم خلال فترة الانتفاضة، إضافة إلى دعم السلع والمواد الأساسية، ومحاربة الغلاء الفاحش، والعمل على تطبيق قانون العمل، ووضع سياسات اقتصادية تعالج مشاكل البطالة والفقر، متهماً الحكومة في غزة بالتقصير في مساندة ودعم العاطلين عن العمل وعدم وضع قضيتهم على سلم أولوياتها، بالرغم من توزيع مبلغ 100 دولار على بعضهم كل حين وحين.

وأوضح أنه ومن خلال إحصائية أجراها الاتحاد تبين أن هناك أكثر من 250 ألف فلسطيني عاطل عن العمل يعانون ويلات الاحتلال والعوز دون أدنى ضمانات اجتماعية توفر لهم العيش الكريم، عدا المساعدات الرمزية التي تقدمت بها دول مانحة ودول عربية، مطالباً حكومتي سلام فياض في الضفة وإسماعيل هنية في غزة بتحمل مسؤولياتهما في توفير فرص عمل للعاطلين عن العمل، أو دفع رواتب شهرية لهم من خلال صندوق الضمان الاجتماعي.

معهد دراسات التنمية: معدل الفقر في يناير 2009 وصل في قطاع غزة إلى 80%

إلى ذلك أكد معهد دراسات التنمية في غزة، في تقرير حديث صدر عنه مؤخراً، أن إحصائيات القوى العاملة لسنة 2008 تشير إلى أن معدل الفقر في يناير 2009 وصل في قطاع غزة إلى 80%، وأن ما نسبته66،7% يعيشون في فقر مدقع نتيجة الآثار الناتجة عن الإغلاق وزيادة معدل البطالة، وذلك في ظل استمرار ارتفاع مؤشر غلاء المعيشة نتيجة شح الواردات، وضعف الرقابة على الأسعار، وانخفاض حجم الإنتاج المحلي، واستمرار زيادة معدلات الإعالة الاقتصادية والفقر ،واعتماد الأسر الفلسطينية على المساعدات الإنسانية خاصة الغذائية منها لتجنّب ازدياد نسب سوء التغذية.

وبيّنت نتائج التقرير أن 62% من الأسر في قطاع غزة أجرت تعديلات في أنماطها الاستهلاكية كي تتماشى مع ظروف الحصار الراهن، حيث أصبح ثلاثة أرباع سكان القطاع يواجهون صعوبة في توفير السلع الأساسية، الأمر الذي يعكس محدودية القدرة على الاستمرار في التكيف مع الظروف الراهنة.

وأشار التقرير إلى أن نسبة الإغلاق منذ حزيران/ يونيو 2007 سجلت أعلى مستوياتها منذ إقامة السلطة الوطنية، ما ترتب عليه زيادة التدهور في المستويات المعيشية بسبب استمرار إجراءات الحصار والإغلاق، علاوة على ترسيخ مظاهر الانقسام الداخلي الذي نتج عنه انفصال سياسي واجتماعي واقتصادي لقطاع غزة عن الضفة الغربية من ناحية، وفصل قطاع غزة عن العالم الخارجي من ناحية أخرى، مبيناً أنه ونتيجة الحصار والإغلاق، فقد استمر إغلاق معبر رفح الحدودي منذ عام 2007 بشكل كامل حتى الآن باستثناء السماح بين الحين والآخر بمرور بعض المرضى والمسافرين من أصحاب التنسيقات، في حين لا يزال معبر بيت حانون "ايرز" مغلقا تماما أمام العمال.

ونوّه التقرير إلى استمرار تدهور أوضاع القطاع الخاص وإغلاق المنشآت الاقتصادية نتيجة عدم توفر المواد الخام اللازمة لتشغيلها، ومنع التصدير وخاصة الأنشطة الإنتاجية، مبينا أن جميع مؤسسات قطاع الإنشاءات اضطرت للتوقف عن العمل.

وأوضح أن ما نسبته 90% من المنشآت العاملة في قطاع الصناعة توقّفت عن العمل بشكل كامل، أما بالنسبة لبقية المنشآت، فقد استمرت بممارسة أنشطتها بأقل من40% من طاقتها التشغيلية، حيث كانت أكثر الأنشطة تضررا المنشأة العامة في مجال الصناعة الغذائية والأثاث والملابس، لافتاً إلى أن تضرر الأنشطة الاقتصادية نتيجة الحصار، أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة في قطاع غزة، إضافة لتدني مستويات المعيشة وارتفاع نسبة الفقر رغم وجود المعونات الإنسانية والتنموية المقدمة لقطاع غزة، حيث ما زال هناك أكثر من 80% من الأسر تحت خط الفقر، كما تعيش حوالي 66،7% من الأسرة في فقر مدقع.  

زقوت: الاحتلال الإسرائيلي وراء تفشي البطالة في المجتمع الفلسطيني

ومن جهته قال الأخصائي النفسي ببرنامج غزة للصحة النفسية د. سمير زقوت، عند الحديث عن البطالة في فلسطين لابد أن نذكر الأسباب الكامنة وراء تفشي البطالة في المجتمع الفلسطيني، حيث أن الوضع الفلسطيني له خصوصيته والأسباب هي الاحتلال الإسرائيلي وسياسة طرد العمال من عملهم الذين كانوا يعملون في الأراضي الفلسطينية التي احتلت في العام 1948م، بالإضافة إلى اختلال العلاقة بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل، وسياسة التوظيف المتبعة، وعجز سوق العمل عن استيعاب الخريجين، وإنشاء العديد من الجامعات والمعاهد التي تقدم تخصصات إما متكررة أو لا يحتاج لها سوق العمل.

وأضاف زقوت إن البطالة من أهم وأخطر المشكلات في فلسطين بصفة عامة، وفي قطاع غزة بصفة خاصة، حيث أن البطالة هي مفتاح معظم المشكلات الأخرى التي يعاني منها الفلسطينيون، ويمكن النظر إليها من زوايا متعددة اجتماعية، حيث ينظر إليها علماء الاجتماع على أنها عامل للكثير من المشكلات الاجتماعية، بينما ينظر إليها الاقتصاديون على أنها سببا للتدهور الاقتصادي، وتنظر إليها منظمات حقوق الإنسان على أنها انتهاك صريح لحق الإنسان في حياة كريمة، والجهات الأمنية ترى أنها أحد أهم أسباب الجريمة، في حين يرى الأخصائيون النفسيون أنها أحد أهم أسباب المرض النفسي.

وتابع، إن مشكلة البطالة تعتبر من المشكلات المركبة، حيث أنها اقتصادية وسياسيه واجتماعية ونفسية، ولها اثر قوي على الفرد قبل المجتمع الذي ينتمي له، مشيراً إلى أن الدراسات العلمية أكدت أنّ للبطالة آثارها السيّئة على الصحة النفسية، كما لها آثارها على الصحة الجسدية.

العاطلون عن العمل يفتقدون تقدير الذات

وأوضح زقوت أنّ نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل في فلسطين يفتقدون تقدير الذات، ويشعرون بالفشل، وأنهم أقل من غيرهم، كما وجد أن نسبة منهم يسيطر عليهم الملل، وأنّ يقظتهم العقلية والجسمية منخفضة، وأنّ البطالة تعيق عملية النمو النفسي لهم خاصة الذين ما زالوا في مرحلة النمو النفسي، مبيناً أن المعطيات العامة تدل على أن الأشخاص الذين يفتقدون للوازع الديني، يقدم البعض منهم على شرب الخمور وتعاطي المخدرات للهروب من هذا الواقع الأليم، كما وجد أن 69% ممن يقدمون على الانتحار هم من العاطلين عن العمل، وأن نسبة الجريمة كالقتل والاعتداء تزداد نتيجة للتوتر النفسي.

وعن أكثر الفئات تضرراً من ناحية نفسية واجتماعية نتيجة البطالة المنتشرة في المجتمع الفلسطيني، قال زقوت إن الإحصاءات تؤكد أنّ أكثر العاطلين عن العمل في فلسطين هم من جيل الشباب، ولذلك فهم أكثر الفئات تضرراً، لتأخرهم عن الزواج وإنشاء الأسرة، وعجزهم عن تحمل مسؤولية أسرهم، مرجعاً أساس مشكله البطالة التي يعاني منها الفلسطينيون في قطاع غزة والضفة الغربية، لوجود الاحتلال الإسرائيلي منذ العام 1948م واستيلائه على باقي أرض فلسطين في العام 1967م، وما تبع ذلك من سيطرة الاحتلال على الموارد الطبيعية لفلسطين، وإتباعه لسياسة الإغلاق الشامل، التي فقد من خلالها كثير من العمال الفلسطينيين أماكن عملهم في الأراضي الفلسطينية التي احتلت في العام 1948م.

ولفت زقوت إلى أنه ورغم كل الظروف، فقد بذلت الحكومة في غزة جهوداً جبارة في محاولة لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني وذلك عبر محاولات تأهيل الشباب حديثي التخرج، وخلق قاعدة معلومات للوظائف المطروحة والباحثين عنها، ومحاولات معالجة مشكلة البطالة بفتح مجالات العمل بشكل دوري للعاطلين عن العمل وبالتنسيق مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين ومحاولة تحسين الأداء الاقتصادي في قطاع غزة، وذلك عبر الاستفادة من زراعة المحررات مما يساهم في كبح جماح مشكلة البطالة، ويساعد على توفير فرص عمل للشباب في قطاع غزة.

نشوان: طرد إسرائيل ما يقارب 32 ألف عامل هو عقاب جماعي

ومن جانبه قال المحامي كارم نشوان مدير مركز الديمقراطية وحقوق العاملين بقطاع غزة، إنه ووفقاً لأحكام القانون الدولي فإن إسرائيل هي دولة محتلة، وإن الحصار المفروض على قطاع غزة هو غير شرعي وغير قانوني، وبما أن قطاع غزة والضفة الغربية تخضع لأحكام القانون الدولي بناء على اتفاقيات أوسلو واتفاقيات جنيف الأربعة، فإنه لا يجوز لإسرائيل فرض الحصار عل الشعب الذي تحتله وهي ملزمة بذلك، وبالتالي ما قامت به دولة الاحتلال مع بداية الانتفاضة الثانية من طرد ما يقارب 32 ألف عامل كانوا يعملون داخل إسرائيل بأوامر عسكرية أمنية، هو عقاب جماعي للشعب الفلسطيني، حيث لم تقم بأي تعويض لهم رغم القضايا المقدمة من قبل المؤسسات الحقوقية والعمالية المعنية وتحويل القضية إلى مسألة سياسية.

وأوضح نشوان أنه منذ تشديد الحصار في العام 2006، أصبح هناك أكثر من 70 ألف شخص عاطل عن العمل، بالإضافة لتوقف أكثر من 90% من المصانع والمعامل، وخاصة قطاع الخياطة والإنشاءات والبناء جراء الحصار وإغلاق المعابر ومنع دخول المواد الخام المختلفة، مما تسبب في انتهاك أساسي ألا وهو الحق في السكن وتوفر مكان آمن للمواطنين، مشيراً إلى أن توقف هؤلاء العمال عن العمل، ومنعهم من الوصول إلى أماكن عملهم، حولهم إلى جيش من المتعطلين عن العمل، وبالتالي عدم حصولهم على أي من مستحقاتهم وفقا للقانون الإسرائيلي المرتبط باستغناء صاحب العمل الإسرائيلي عن هذا العامل، وليس توقف العامل عن العمل نتيجة منعه من الوصول إليه.

 وأضاف من هنا يتذرع المشغلون الإسرائيليون أنهم لم يستغنوا عن العمال، وبذلك هم غير ملزمين بدفع التعويضات لهم، موضحاً أنه بالرغم من ذلك، قام المركز برفع العديد من القضايا للحصول على مستحقات العمال العاملين في إسرائيل، ولكن للأسف لم يكتب لها النجاح لأسباب عديدة تتلخص في عمليات التحايل التي قام بها المشغلون الإسرائيليون، بالإضافة إلى عدم قيام المحاكم الإسرائيلية بدورها وفقا لأحكام القانون، وقيام صاحب العمل الإسرائيلي بتغيير اسم الشركة التي كان يعمل بها عدد كبير من العمال الفلسطينيين للتهرب من دفع استحقاقاتهم، بجانب إدّعاء أصحاب العمل بالإفلاس مما يؤدي إلى شطب القضية من المحكمة أو تبقى القضية معلقة.

وحمّل نشوان الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن ضياع حقوق العمال، مؤكداً أن الشعب الفلسطيني ما زل يعتبر شعب يقع تحت الاحتلال، وبالتالي فإن إسرائيل ملزمة بالحقوق الاقتصادية لشعبنا بصفتها دولة الاحتلال.

وشدد على إن إشكالية العمال وحلها يحتاج إلى خطة تنموية فلسطينية واقعية وقابلة للتنفيذ، مطالباً في هذا الجانب السلطة الوطنية بضرورة سن القوانين والتشريعات التي من شأنها توفير شبكة أمان حقيقية للعمال العاطلين، والأهم من ذلك هو الضغط على المجتمع الدولي للقيام بالتزاماته بفك الحصار والعزلة، وكذلك الضغط عليها من أجل تسليم السلطة الوطنية ما تراكم من عوائد تفرضه إسرائيل على أبناء شعبنا الفلسطيني.

الكرد: الحكومة تقدم 100 دولار ل 25000 عامل في إطار دعم صمود العمال

وفي هذا الإطار أكد وزير العمل في الحكومة المقالة بغزة أحمد الكرد أنه ونتيجة ازدياد وارتفاع معدلات البطالة والفقر في الأراضي الفلسطينية بشكل ملحوظ، وفي قطاع غزة على وجه التحديد منذ بداية أحداث انتفاضة الأقصى، والحصار الاقتصادي المفروض على القطاع، إضافة إلى سياسة إغلاق المعابر التجارية بشكل مستمر، عكفت الحكومة الفلسطينية بقيادة إسماعيل هنية على تقديم حلولاً مؤقتة لهذه الشريحة حتى تخفف من معاناتهم وترفع عنهم ولو بقدر معقول وضمن ما تتيحه الموارد المالية المتاحة والتي كان آخرها المنحة العمالية التي قدمها هنية بمناسبة يوم العمال العمالي في 2/5/2010 لما يقارب 25 ألف عامل بقيمة "2.5 مليون دولار"، والتي تم توزيعها من خلال وزارة العمل.

وشدد الكرد على أن أزمة البطالة والفقر تفاقمت نتيجة الحصار المفروض على قطاع غزة، منوها إلى أنه وحسب آخر التقديرات بلغ معدل البطالة 65%، ومعدل الفقر 80% في قطاع غزة، كما أصبح 85% من السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية المقدمة من الأونروا وبرنامج الغذاء العالمي والجمعيات الخيرية المختلفة،حيث تشير الإحصاءات الاقتصادية إلى أن ما يقارب من 150 ألف عامل فلسطيني في غزة عاطل عن العمل، وذلك بعد أن انضم قوافل جديدة من العمال إلى صفوف البطالة بعد أن منعت قوات الاحتلال العمال الفلسطينيين والبالغ عددهم في ذلك الوقت 100 ألف عامل من التوجه إلى أعمالهم داخل الخط الأخضر منذ بداية انتفاضة الأقصى، أما بعد الانسحاب الإسرائيلي من محافظات غزة في عام 2005، فقد انضم أكثر من 8 آلاف عامل جديد إلى قوافل البطالة ممن كانوا يعملون في المستوطنات ومنطقة "ايرز" الصناعية.

وأضح أن الوزارة تحاول جاهدة تنفيذ البرامج والمشاريع حسب الإمكانيات المتاحة لخدمة شريحة العمال الشريحة الأكبر في المجتمع، وإتباع الشفافية والمصداقية في توزيع المساعدات من خلال التنسيق مع كافة المؤسسات ذات الاختصاص في مجال تشغيل العاطلين عن العمل، مشيرا إلى أن الحكومة الفلسطينية الحالية هي من أكثر الحكومات التي ساهمت في تقديم المساعدات للعمال، حيث بلغ مجمل ما قدمته الحكومة للعمال العاطلين عن العمل 52 مليون دولار والتي كان آخرها هذه المنحة العمالية المقدمة من رئيس الوزراء لعدد 25 ألف عامل.

وأضاف: "لا يخفى على أحد الظروف التي يعاني منها قطاع غزة من احتلال وحصار، الأمر الذي ساهم في زيادة المسئوليات الملقاة على كاهل الحكومة"، مؤكداً على حرص الوزارة على خدمة العمال وسعيها الدائم على الاستمرار في خدمة هذه الشريحة، وتحقيق واجباتها تجاههم وعملها الدائم من أجل زيادة تلك المساعدات.

ودعا الكرد المنظمات الاغاثية العالمية إلى ضرورة تقديم مساعداتها الإنسانية للعمال الفلسطينيين العاطلين عن العمل.

ورغم ما وصل إليه حال العمال من تدهور كبير، إلا أن أحداً لم يلتفت إليهم بالمعنى المطلوب الذي يسد رمق جوعهم وأطفالهم، بل تم تركهم فريسة للجوع والفقر والحاجة والعوز التي تنهش ليست أمعائهم الخاوية فحسب، بل وكرامتهم أيضاً، ما يجعل الكثيرين منهم وخاصة الذين يفتقدون للوازع الديني يقدمون على شرب الخمور وتعاطي المخدرات للهروب من هذا الواقع الأليم، أو على الانتحار، أو ارتكاب الجرائم على اختلاف أنواعها نتيجة للتوتر النفسي، وبالتالي لا بد من العمل المستمر من قبل حكومتي غزة ورام الله على تعزيز صمود العمال والتخفيف من آثار الحصار عليهم.