|
دعوة للحب بقلم: وائل المبحوح
قبل ثلاثين عاما من اليوم كنت لا زلت طفلاً يستطيع بالكاد نطق الحروف و تجميع الكلمات لكنني رغم ذلك كنت قادراً على رؤية أمور لا تزال ذاكرتي معمورة بها فكنت أرى مثلاً كيف كانت أمي تطبخ لصغارها و ما أن ينضج طبيخها و قبل أن تطفئ النار من تحته حتى تغرف صحناً و ترسلني به إلى جارتنا أم جهاد التي تسكن جنب بيتنا (الحيط بالحيط) و أطير به و من شدة لهفتي أكاد أصطدم بنائل ابن الجيران ابن أم جهاد الذي يجري في الاتجاه المعاكس فرحاً و هو يحمل بين يديه الصغيرتين صحناً يشبه صحني مملوءاً بغرفة من طبيخ أمه و هو يهم بدخول بيتنا، ثم نجلس نحن الصغار كلنا في بيت واحد منا، أي بيت،- إذ لا حرج فكل البيوت بيوتنا نحن الصغار يومئذ- لنتناول معا ما أعدته أمهاتنا. لا زلت أذكر كيف كنا نحن أطفال المخيم ننتظر العيد لنلبس ملابسنا الجديدة و نطوف الحارة بيتاً بيتاً يعيٍِّد كل منا على جيرانه و أهله ثم تأخذنا الأرجوحة و تحلق بنا في سماء المخيم وسط ضحكات البراءة و نغمات الفرح، لم نكن يومها نخاف لا من الأرجوحة و لا من اتساخ ملابس العيد. ففي العيد لا خوف و لا ألم و لا رصاص، عيدنا كان حباً و أملاً و عيدية من آبائنا و أمهاتنا في حارتنا الصغيرة. كانت الحارة يومها أشبه بالبيت الكبير أينما توجهت فثم أم أو أب أو أخ أو أخت، و كانت الحارة تنعم بالأمن و الأمان و الطمأنينة تقضي ليلها كله في الشوارع و على أبواب البيوت في حلقات سمر و لهو و أحاديث البلاد الضائعة المنكوبة ، في تلك الأيام سمعت لأول مرة كلمة بيت طيما و عرفت أنها قريتي التي هجر منها جدي و والدي و سمعت عن سمسم بلد جارتنا أم جهاد و عن حمامة و هوج و بيت جرجا و أسدود و غيرها من قرانا و مدننا المدمرة ، كل هذا سمعته من أحاديث الرجال في ليالي المخيم التي كانت تمتد و تمتد حتى الفجر أحيانا.. لا زلت أذكر يوم فقدنا إبراهيم، كنا نلعب الكرة معاً ، نقذفها و نجري خلفها قبل أن تدخل بيت جارتنا أم عوني التي طالما هددتنا بإعطابها و ما أعطبتها لنا يوماً ،و فجأة وقع إبراهيم، صرخنا، فزعنا و طارت به أمه إلى عيادة الوكالة في وسط المخيم، غاب عنا إبراهيم يوما ، يومين و ثلاثة لم نلعب فيها الكرة و لم نك نحب أن نلعب و ليس بيننا إبراهيم، و بينما نحن في بيوتنا تلفنا عتمة الليل نتكوم حول جهاز يسمى التلفاز و نستمع إلى نشرة الأخبار و ليس يومئذ ثمة شيء سواها جاءت الأوامر أن نغلق التلفاز، لماذا ؟؟؟؟!!!! لقد مات إبراهيم و من العيب أن نفتح التلفاز و في حارتنا، في بيتنا الكبير عزاء. و على مدار ثلاثة أيام كانت الحارة كلها تطبخ و تحمل طبيخها إلى بيت أهل إبراهيم، و على مدار ثلاثة أيام كانت الحارة صامتة كئيبة خيم الحزن عليها و لم نلعب فيها الكرة و لم نفتح فيها تلفازاً و لا مذياعاً حتى الكبار من أهل الحارة المشغولون دوماً بسماع الأخبار و التعليق عليها في انتظار العودة إلى الديار لم يعودوا مشغولين بها، و في جنازة إبراهيم لم يتخلف عن الحضور من أهل الحارة أحد. هذا كان يحدث في حارتنا قبل ثلاثين عاماً يوم لم يكن هناك متعلمون يحملون أرفع الشهادات و لم تكن هناك حكومة و لا وزارات و لا حتى تنظيمات. هذا كله كان يحدث في حارتنا قبل ثورة التكنولوجيا و عصر الانترنت و العولمة و المعلومات، يوم لم يكن في المخيم كل المخيم سوى زاوية واحدة و مسجدين و بضعة مصلين هنا و هناك. هذا كان يحدث في بلادنا يوم كان الحب يجمعنا و يؤلف بيننا، يوم كان الحب لفلسطيننا هو سلاحنا الذي نرفعه في وجوه أعدائنا، و لم يكن لنا سلاح غيره، كان الحب وحده في الميدان و لم يكن للحقد و لا للبغضاء سبيل. كان الحب يملأ بيوتنا و يغمر قلوبنا نحن الأطفال الأبرياء، و كان الحب يملأ قلوب الرجال و النساء، و لم يكن للضغينة و لا الفئوية و لا العنصرية مكان. الحب هو الحياة، و هي دعوة للحب إذن، لتعود للطفولة براءتها و للحياة معناها و لفلسطين الولاء و الانتماء. هي دعوة للحب إذن لتعود للإنسان إنسانيته و للمجتمع هيبته و للقانون سيادته ففلسطين هي أكبر منا جميعا. |