السجن يعيش داخلي
"رحلة تعذيب لا تنتهي"

تحررت من السجن في العام 1998 بعد رحلة مريرة من العذاب بدأت عام 1990 ولكني ما زلت حتى اليوم أشعر أنني أعيش في السجن فما زالت الذكريات تلاحقني تنهش روحي ونفسي لا زالت الذكريات تسيل دماً وألماً رغم مرور السنوات الطوال، حاولت النسيان ولكن دون جدوى. حاولت معالجة آلامي وجروحي بنفسي ولكن لم أستطع أرقتني الذكريات والوجوه الوحشية التي حاولت سلب حريتي وكسر إرادتي، وجوه المحققين الذين عذبوني بكل الوسائل المتاحة مستخدمين أحدث ما تفتقت عنه عقولهم.

بهذا الألم بدأ (ح.م.ن) قصته مع التعذيب وهو شاب عمره 36 سنة متزوج وزوجته حامل في طفلها الأول ويعمل شرطياً في المنطقة الوسطى بقطاع غزة، يقول بدأت رحلتي مع التعذيب منذ لحظة الاعتقال وعند اقتحام منزلي، فقد عاث الجنود في محتويات المنزل، فتشوا دولاب الملابس، فتشوا مكتبي، ضربوني أمام أهلي، وبعدها قيدوا يدي، وعصبوا عيني، ورموني داخل سيارة عسكرية، أحتفل الجنود بقدومي فوضعوني تحت أقدامهم وانهالوا عليّ بالضرب مستخدمين الخوذ وأعقاب البنادق، وبدأوا بشتائم قذرة. عند الوصول إلى مركز تحقيق غزة المركزي (المسمى بالمسلخ). قام الجنود بتفتيش وأخذ ما لدي من أشياء زهيدة، وصلت السجن الساعة الثالثة صباحاً، طلب مني الجنود خلع ملابسي كنت أظن أنه سيسمح لي بعدم خلع ملابسي الداخلية ولكنهم أمروني بخلع ملابسي الداخلية ورموا لي بملابس زرقاء بالية لا يوجد لها إلا أزرار قليلة أفرهول أزرق نتن كريه ومقاسه واسع وغير مناسب، لبسته مرغماً، أدخلوني على طبيب للفحص، أنه مسلخ حقيقي، تخيلت ماذا سيفعلون بي هل يحضرونني للموت لمّ الطبيب بعد الفحص مباشرة، بدأت الرحلة، وضعوا كيساً منتناً في رأسي ووضعوني في صالة مع مجموعة من السجناء كنت أسمع أصواتهم يصرخون وبدأ الجنود بضربي بالهراوات أنها حفلة جماعية من نوع مختلف حفلة تعذيب جماعي.

بعد ليلة طويلة من التعذيب الجماعي بدأ التحقيق حول مقاومتي للإحتلال، وإطلاقي النار على جيب عسكري كانوا يخنقونني إلى حد الموت، كانوا يضغطون على أعضائي التناسلية، يضعون رأسي في الماء استمرت رحلة التعذيب شهراً كاملاً وجدت نفسي بعدها منهاراً إعترفت بكل ما لدي، شعرت بفقداني لإنسانيتي، بعدها ظننت أنني سأرتاح ولكن هيهات بدأوا الطلب مني أن إعترف على رفاقي في النضال والمقاومة وضعوني في ثلاجة صغيرة ثم أعادوني للتعذيب مرة أخرى لأخذ مزيد من المعلومات عشت صراعاً قاسياً شعرت أنني أكاد أفقد عقلي، قررت الصمود وعدم الاعتراف على زملائي، لقد سحق التعذيب نفسي دمرها من الداخل، خرجت من رحلة التعذيب إلى المحكمة وهناك حكم عليّ بثماني سنوات، سمعت الحكم ولم أكد أصدق ولكنني حاولت التماسك المهم أن التعذيب انتهى، ولكن استمرت رحلتي مع الذكريات وصرت أتذكر طرق التعذيب التي مورست بحقي فلا استطيع النوم، نقلت بعد المحاكمة على سجن النقب الصحراوي، صرت أدخن في محاولة منى للتخفيف من آثار التعذيب ولكن دون جدوى ظللت أعاني ثماني سنوات من العذاب إلى أن خرجت من السجن مكثت سنوات أتجنب الحديث عن معاناتي وأشعر بالأعياد والسأم، كنت أبكي منفرداً، نقص وزني، وصرت غير قادر على الاستمرار نصحني أحد الأصدقاء بمراجعة برنامج غزة للصحة النفسية هناك بدأت رحلة العلاج حيث تم تشخيصي بأنني أعاني من الاكتئاب وقد تم وضع خطة علاجية تتضمن علاج نفسي عقلي سلوكي حيث تم وضع هرم للصدمات التي مررت بها وتم تدريبي على الاسترخاء وكذلك تم إعطائي دواء يساعدني على الخروج من حالة الاكتئاب.

استمرت رحلة العلاج في عيادة مركز دير البلح المجتمعي لمدة ستة أشهر، شعرت بتحسن كبير وصرت أدرك معنى الحياة وفي أثناء العلاج قررت الزواج وانخفض تذكري للأحداث الصادمة في حياتي وأنا الآن أنتظر طفلي الجديد وأتمنى ألا يعاني ما عانيته من تعذيب وسجن وان يعمم السلام منطقتنا وأن تنتهي الحروب وأن تعود الحياة إلى طبيعتها.

سمير زقوت
أخصائي نفسي