الطفل أسامة

إيناس جودة

 

أسامة طفل يبلغ من العمر9 سنوات يسكن مع عائلته في قرية بيت حانون والتي تعتبر من أكثر المناطق المهددة بشكل مباشر من قبل العدو الإسرائيلي لقربها من الحدود بين قطاع غزة والأراضي المحتلة عام 48. وبالرغم من الخطر الذي يمكن أن يتعرض له أهل هذه المنطقة فقد فضلت عائلته البقاء في البيت الذي يمثل مصدر الحماية والأمان بالنسبة لهم.

 

هذه العائلة الفقيرة تملك محل بقالة متواضع تم اقتطاع غرفة من البيت لافتتاحه حتى يساعدهم على مصاعب الحياة، فادي الابن الأكبر للعائلة وهو المسئول عن محل البقالة تعود  البقاء في البقالة وفتحها على الرغم من صعوبة الوضع أثناء الحرب، وفي يوم من أيام الحرب الصعبة فتح فادي بقالته كعادته وكان الشارع يعج بالمارة من الناس وكان أسامة في بيت خالته وعزم على العودة إلى البيت.  وفي طريقه سمع الناس ومعهم أسامة صوت إطلاق صاروخ من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي وكان صوته قريباً جداً فهرب الجميع ولكن فادي خرج مسرعاً من بقالته ليعرف وجهة الصاروخ ولم يكاد يصل باب البقالة حتى سقط الصاروخ قريباً جداً منه ومن وشدة الانفجار ارتفع فادي أمتار عن الأرض وارتطم جسده بها وتكور مثل الجنين. فقد أصابته  شظايا الصاروخ وأصيب جسده بحروق متعددة أدت إلى وفاته في الحال.

 

في هذه الأثناء كان أسامة في طريق عودته وشاهد تفاصيل الحدث حيث استشهد أخيه فادي وقد أصابته حالة من الرعب إلى جانب إصابته بعدة شظايا في ظهره وكانت إصابته طفيفة ودخل إلى البيت وكان الأهل في ذلك الوقت لا يعرفون أن فادي قد استشهد، ودخل أسامة مذعوراً يصرخ مما أثار الفزع والرعب لدى أهله عند مشاهدته وأخذ والده بالصراخ خوفاً عليه، أسامة لم يستطع أن يخبرهم أن فادي هو من استشهد إلى أن خرجوا إلى الشارع وعرفوا وشاهدوا ابنهم فادي شهيداً.

بعد انتهاء الحرب توجه أسامة إلى مدرسته كباقي الأطفال، ولكن بدأت تظهر عليه بعض الاضطرابات مما أوجب تدخل المرشد المدرسي، وبعد المتابعة مع الأهل قرر تحويله إلى مركز غزة المجتمعي التابع لبرنامج غزة للصحة النفسية وتوجهت الأسرة إلى المركز، وبعد المتابعة مع أسامة تبين أنه يعاني من عدة أعراض أهمها: العصبية والعنف الزائد تجاه الأطفال بشكل مخالف تماماً لما كان عليه سابقاً، والتبول اللاإرادي، والخوف من أقل شيء في النهار أو في الليل والتفزز من أقل الأصوات، ومشاكل مع إخوته في البيت، والبكاء المستمر لأتفه الأسباب، والتفكير الدائم في الحدث وخاصةً لحظة سقوط الصاروخ.

وقد قام فريق مركز غزة المجتمعي بإعداد خطة علاجية بعد عمل الفحوصات الطبية اللازمة للطفل تضمنت العلاج التعبيري مثل علاج باللعب داخل المركز إلى جانب الرسم الحر والتفريغ النفسي، وأيضاً تضمنت خطة العلاج متابعة العائلة وخاصةً أن الأم كانت تعاني من توتر دائم  بسبب فقدانها ابنها الأكبر وعدم قدرتها على التعامل مع الحدث إضافةً إلى حاجتها هي وأفراد العائلة إلى التدخل العلاجي والدعم النفسي بعد الأحداث الأخيرة التي تعرض لها القطاع والأعراض النفسية الناجمة عنها مع التشديد على ضرورة تعزيز شبكة المساندة الاجتماعية والعمل على تصحيح الأفكار السلبية.

وبعد فترة من التدخل والجلسات العلاجية أصبح أسامة أكثر تقبلا للآخرين واختفت معظم الأعراض التي كان يعاني منها، كذلك أصبح يلعب مع زملاءه وإخوانه بطريقة أكثر قبولا، كذلك تحسن من ناحية التركيز في الدروس المدرسية.