مأساة لؤي

فقداني لبصري لن يكون عقبة في استمرار حياتي

 

لؤي طفل في العاشرة من عمره من سكان بيت لاهيا. تعرض لؤي في الرابع عشر من يناير 2009 إلى مأساة تنفطر لها القلوب حين أصيب إصابة بالغة ناجمة عن قصف للطائرات الحربية الإسرائيلية على الآمنين بالقرب من منزله أثناء خروجه مع والده وابن عمه من إحدى المدارس التي لجئوا إليها في بيت لاهيا لإحضار بعض الاحتياجات الخاصة بهم كالطعام والأغطية. ومما دفعهم للخروج في ذلك الوقت أثناء القصف الإسرائيلي على بيت لاهيا هو اكتظاظ المدارس بالفارين من بيوتهم وعدم توفر كل ما يلزمهم من احتياجات خاصة وانعدام الخصوصية, فقد بلغ عدد المتجمعين في الصف الواحد ستين شخصًا. ولم يكن هناك ما يكفهم من طعام وأغطية. لم تشفع معاناة لؤي التي عانى منها في المدرسة له والتي استمرت ستة عشر يومًا, فقد أفقدته إصابته البالغة بصره  بالإضافة إلى إصابته في يده ورأسه واستشهاد ابن عمه الذي كان بجواره على الفور.  ومما زاد من عمق المأساة أنه عندما أصيب لؤي تعذر نقله فورًا إلى المستشفى إذ لم يتمكن أحد من الوصول إليه بسبب استمرار القصف الإسرائيلي وبقي لؤي جريحًا يتألم لساعة ونصف حيث لم يتمكن أحد من اسعافه, وكان كلما حاول الزحف والاقتراب من والده للوصول الى مكان أمن لم يستطع, حتى أن والده الذي لم يكن يفصل بينه وبين لؤي الا أمتار قليلة لم يتمكن من الوصول الى ابنه واسعافه بسبب القصف الاسرائيلي. ويقول والد لؤي:  " في تلك اللحظة اعتقدت أنني فقدت ابني لؤي ولكن عندما سمعته يناديني ويطلب مني مساعدته,أدركت أنه على قيد الحياة, ولكني كنت أتعذب كلما كنت أحاول الاقتراب منه ولا أستطيع."  وبعد ذلك تمكنت بعض الفتيات من الوصول الى لؤي وحمله ولفه في بطانية مع ابن عمه الذي كان شهيدًا إلى مكان أمن حيث تمكن والده من حمله والسير به حتى وصلت اليهم سيارة الاسعاف ونقلته الى مستشفى كمال عدوان ومن ثم تم نقله الي مستشفى الشفاء بغزة. وبسبب تدهور حالته الصحية تم نقله على الفور إلى المملكة العربية السعودية لتلقي العلاج حيث رافقه والده.

والشئ المؤلم أن لؤي كان طفلاً مرحًا نشيطًا وذكيًا , تعود منذ الصغر على أن يكون الذراع الأيمن لوالده في تجارته البسيطة التي تساعد أسرته في سد احتياجاتها. كما أنه كان دائم الاعتماد على نفسه, و كان يساهم في دخل أسرته.  وكان يحب اللعب والمرح ويتمنى الحصول على دراجة هوائية ككل الأطفال,  وكان دائم التفكير في مستقبله ويرغب في أن يصبح تاجرًا,ولكن بعدأن فقد لؤي بصره تغير كل شئ بالنسبة له,  ففقدانه لبصره حرمه من أن يمارس حياته كأي طفل طبيعي, يحلم أحلامًا بسيطة ويتمنى أمنيات ليست صعبة المنال. وهو كذلك متعلق بأسرته بشكل كبير وخاصة بشقيقه الأكبر رجب وهو متزوج وله طفلين رائد ورجب والذي استشهد بعد ذلك بسبب مخلفات الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة  في السادس عشر من فبراير عندما كان يعمل في مزرعة, إلا أن لؤي لم يكن يعلم باستشهاده. و عند عودته من السعودية كان يتمنى أن يكون شقيقه الأكبر هو أول من يحتضنه, إلا انه للأسف الشديد فوجئ بخبر استشهاده. لقد كانت صدمته كبيرة عندما علم باستشهاده مما أضاف الامًا جديدة لآلامه, فقد كان يحب شقيقه حباً كبيراً لدرجة أنه أحضر له العديد من الهدايا من السعودية, وما زال دائم التفكير به ويتمنى دائماً رؤيته, فقد كان يفكر دائماً أن وجوده إلى جانبه يخفف من آلامه, وينسيه عجزه. صحيح أن لؤي فقد شقيقه الأكبر إلا أنه عاد من السعودية ليجد رجب ابن اخيه في انتظاره ليكون سنداً له في شدته.                                                                                                                 

لقد تغيرت حياة لؤي كثيراً فذلك الطفل البرئ المملوء بالحيوية والنشاط الذي كان دائم التفكير بمستقبله وحياته القادمة والذي كان لا يتوقف عن اللعب والمرح أصبح الآن بعد ما حدث له بحاجة ماسة إلى مساعدة الغير. وأصبح دائم التردد في كل خطوة يقوم بها خوفاً من الفشل. حتى أن أحلامه البسيطة لم يتمكن من تحقيقها, والدراجة التي كان يتمنى الحصول عليها للتمتع بقيادتها مع أصدقائه, أصبحت الان بين يديه إلا أنه لا يستطيع قيادتها إلا ليلاً وبمساعدة جدته التي تمضي الليل ساهرة إلى جانبه لتراقبه و هو يقود الدراجة. عند عودة لؤي من السعودية مع والده تم تحويله من جمعية مجد وهي احدى الجمعيات الأهلية العاملة في القطاع إلى مركز غزة المجتمعي التابع لبرنامج غزة للصحة النفسية  وقامت الأخصائية راوية حمام بزيارته في المنزل حيث كان يعاني من بعض الأعراض النفسية والتي تعرف بأعراض الشدة ما بعد الصدمة”PTSD”  والتي تمثلت في اضطراب في النوم,و العصبية تجاه المحيطين به, ومشاعر لوم وغضب تجاه نفسه وعائلته, وإحساس بالألم لاستشهاد شقيقه بالإضافة إلى الشعور بالعجز بسبب الإعاقة البصرية التي لحقت به والذي زاد بعد وفاة شقيقه ويستفز لأقل الأسباب. وقد تم تقديم خدمات التدخل الأسري وعمل جلسات تفريغ انفعالي له ومساعدته في التعبير عن مشاعره والتكيف مع الظروف الصعبة التي يمر فيها وذلك من خلال ممارسة بعض النشاطات اليومية التي تركز على بعض نقاط القوة لدى الطفل والعمل على تقويتها. كما أن المركز ما زال متابعاً لحالة لؤي وعلى اتصال دائم بعائلته وبمدرسة النور للمكفوفين لمتابعة حالته باستمرار.

وبعد متابعة حالة لؤي طرأ هناك تحسن طفيف في حالته, وبدأ يعبر عن مخاوفه وما يقلقه. ويتحدث عن أحلامه وطموحاته المستقبلية.

ما زال لؤي غير مصدق لما حدث له ويتمنى أن يتمكن من الرؤية مرة أخرى. وهو ما زال مصماً على أن فقدانه لبصره لن يكون عقبة في طريق حياته ولن يحرمه من ممارسة حياته كأي طفل طبيعي.  وأحلامه ستكبر معه كلما كبر. وسيبقى دائماً الذراع الايمن لوالده والعم الحنون العطوف على أبناء شقيقه الشهيد.