مأساة غنيمة "أتمنى أن يعود أخي لي"
غنيمة فتاة في السابعة عشر من عمرها من حي السلاطين في غزة وهو من أكثر الأحياء الفلسطينية التي تعرضت لدمار شامل بسبب القصف المتكرر للدبابات الإسرائيلية خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة. غنيمة طالبة في الثانوية العامة تعيش مع عائلتها المكونة من ثمانية أفراد في خيمة صغيرة بحي السلطان بمدينة غزة بعد تعرض منزلهم للقصف الإسرائيلي أثناء الحرب, وهي تنتمي لأسرة بسيطة متوسطة الحال. مأساة غنيمة ومعاناتها بدأت منذ لحظة اضطرارهم للخروج من منزلهم في حي السلاطين في الخامس من يناير بسبب استمرار القصف الإسرائيلي للحي ونفاذ ما كان لديهم من طعام. نزحت عائلة غنيمة كغيرها من العائلات الفلسطينية إلى إحدى المدارس التابعة إلى وكالة الغوث في حي الزيتون في مدينة غزة ظنا منهم أنها ستكون ملاذا أمنا لهم من نيران الجيش الإسرائيلي. وعندما وصلت عائلة غنيمة إلى المدرسة واستقرت في أحد الصفوف, فإذا بهم يسمعون صوت انفجار قوي هز المكان بأكمله في ساعة متأخرة من الليل, وعندما خرج الأهالي المختبئين في المدرسة ليروا ما حدث, فإذا بالطائرات الحربية الإسرائيلية تستهدف مجموعة من الشباب الواقفين في ساحة المدرسة وكان من بينهم حسين شقيق غنيمة الأكبر البالغ من العمر أربعة وعشرين عاما. عندما سمعت غنيمة صوت الانفجار القوي ارتعشت من الخوف والقلق على شقيقها وشعرت أن هناك شيئا غريبا حدث, وبدأت البحث عن شقيقها والسؤال عنه. عندما علمت غنيمة بخبر استشهاد شقيقها أصيبت بصدمة كبيرة. لم تصدق أبدا أن شقيقها الذي خرج لمدة خمس دقائق للذهاب لدورة المياه لم يعد ولن يتمكن من العودة بسبب استشهاده. لقد كانت صدمة عائلته كبيرة جدا, ولكن صدمة غنيمة كانت أكبر لتعلقها الشديد بشقيها حسين. فقد كانت مكمن أسراره وكان مكمن أسرارها. لقد كان كل منهما شفاء ودواء للأخر. ما زالت غنيمة غير مصدقة لما حدث لشقيقها حتى بعد استشهاده كانت تقف على باب المدرسة أملة أن يعود في يوم من الأيام إلى بيته وأهله. ومما زاد من الآلام عائلة غنيمة هو أنه بعد عودتهم إلى منزلهم البسيط بعد انتهاء الحرب لم يجدوا إلا ركاما وحطاما لمنزلهم تنتظر ازالتها. ما حدث مع غنيمة من اسشتهاد شقيقها وقصف منزلهم أثر عليها كثيرا وخاصة على مستواها الدراسي حيث فشلت غنيمة في اجتياز امتحان الثانوية العامة مما أضاف الاما جديدة لا لامها. وبعد فشلها في امتحان الثانوية العامة شعرت غنيمة أن أبواب الحياة مغلقة في وجهها. فقدت غنيمة الأمل في أن تتذوق طعم النجاح حتى أنها لا تفكر أبدا في التقدم مرة أخرى لاجتياز امتحان الثانوية العامة. ما زالت غنيمة تفكر في شقيقها وتراه دائما أمام أعينها وتتمنى أن شيئا لم يحدث. لقد كانت غنيمة تعيش حياة طبيعية وسعيدة بوجود جميع أفراد عائلتها أمام أعينها فتجمع العائلة مع بعضها وقضاء أوقات فراغهم مع بعضهم البعض يغنيها عن كل شئ. لا تشعر عائلة غنيمة الان أن الحياة لها معنى أو قيمة, فكل لحظة تمر عليهم تذكرهم بفقيدهم حسين مما يزيد من الامهم ومعاناتهم. وتقول غنيمة: " كنت أتمنى لو أنني منعته من الخروج في ذلك الوقت. أتمنى أن يعود بي الزمان الى الوراء لكي أمنعه من الخروج في تلك اللحظة." جاءت غنيمة مع والدتها الى مركز غزة المجتمعي التابع لبرنامج غزة للصحة النفسية حيث كانت تعاني من اضطرابات ما بعد الصدمة والتي ثمثلت في فقدان الشهية والأرق والعصبية وتستفز لأقل الاسباب وعدم الرغبة في الاحتكاك بالاخرين أو رؤيتهم والابتعاد عن الناس. كما أنها كانت تعاني من الاحباط وعدم الرغبة في الاستمرار في الحياة.
خضعت غنيمة للعديد من الجلسات العلاجية والتي تمثلت في جلسات التفريغ الانفعالي والدعم العائلي بالاضافة الى العلاج الدوائي. طرأ تحسن طفيف على حالة غنيمة بعد الجلسات الأولى من العلاج, الا أن فشلها في امتحان الثانوية العامة زاد من معاناتها وآلامها. ما زال مركز غزة المجتمعي التابع لبرنامج غزة للصحة النفسية متابعا لحالة غنيمة وعلى اتصال دائم بها وبعائلتها.