|
وجدت نفسي انسان بلا قيمة
"رجل يعاني من اضطرابات ما بعد الصدمة بسبب التعذيب" بقلم الأخصائي النفسي: حسن زيادة
"أشعر باني فارغ من كل شئ ، أنظر الى نفسي لأشاهد جسدا لا حول له ولا قوة ، لا أملك شيئاَ سوى التنفس والحركة ، فقدت كوني أباً لستة أطفال ، فقدت رجولتي ، لقد صدمت ولم يعد بوسعي فعل أي شئ ، ذ ُللت ولا أستطيع صون كرامتي ، أشعر وكأني مبعثر ، فقدت كل روح الوطنية لدي ولم يعد شئ يهمني ...." بهذه الكلمات بدأ أ. ج. 43 عاماً حديثه ، هو متزوج ولديه ستة من الأبناء ، ويعمل موظفاً في إحدى مؤسسات الخدمات المدنية في قطاع غزة . زار أ. ج. مركز غزة المجتمعي – أحد فروع برنامج غزة للصحة النفسية في ديسمبر 2006 حيث كان قد تعرض قبل شهرين لتعذيب نفسي وجسدي شديد في أحد مراكز الشرطة في غزة. كان أ.ج. قد استجوب بتهمة حادث سرقة وقعت في مكان عمله. وطلب منه الاعتراف بارتكاب السرقة دون أي مسوغ قانوني يدينه، اذ لم توجه له لائحة اتهام ولم توجد أدلة تدينه وحتى تم استجوابه بدون أمر اعتقال رسمي من النيابة. عندما اعتقال أ. ج. ، قام أحد الضباط بلطمه على وجهه بقوة ، ثم أمره أن يخلع نعليه ، وألقي به في زنزانه عزل انفرادي ووضع رأسه في كيس أسود بعنف. ثم بدأت عملية التعذيب والضرب على رجليه واسفل الظهر، وبعد ارهاقه بالضرب المبرح، دخل رجل امن عليه الزنزانة وداس عليه برجله وهدده إذا لم يعترف بجريمة السرقه فإنه سيواجه تهمة العمالة مع الاحتلال الاسرائيلي وأيضا ستوجه إليه تهمة تتعلق بالشرف. استمرت تجربة التعذيب مدة أربعة أيام متعاقبة ، وبعدما يأس من امكانية الافراج عنه أو حتى توقفهم عن تعذيبه ومواجهة كل الاتهامات الموجهة ضده ، لم يكن لديه خيار سوى الاعتراف بشيء لم يرتكبه. وبعد ذلك، تم تحويله إلى السجن وبعد اسبوعين تم تحويله الى المحكمة حيث هدده الضباط بعدم الحديث عن ما تعرض له من تعذيب خلال استجوابه والتحقيق معه. وعند وصوله للمحكمة ومثوله في قفص الاتهام، أظهر لهم بعض آثار التعذيب الواضحة على جسده. وبالرغم من ذلك وبعد تدخل المؤسسة التي يعمل بها ولقناعتها ببرائته حيال القضية طالبت من المحكمة والسلطات المعنية الافراج عنه واغلاق ملف القضية، حيث كانت هناك أدلة تتناقض ما اعترف به المتهم تحت التعذيب. من الجدير ذكره أنه خلال تجربة تعذيب أ. ج. كان هناك اصرار وتنافس من قبل مجموعتين مختلفتين من المعذبين للحصول على انتصار من خلال "انتزاع الاعتراف من المتهم" وعلى اثر ذلك، تم الافراج عنه ليقصد بذلك مركز غزة المجتمعي حيث اشتكى من أعراض مختلفة ، تتلخص فيما يلي: اضطرابات أثناء النوم تشتمل على: قلق وتوتر عند بدء النوم ، النوم لأقل من ساعتين ، احلام مرعبة وكوابيس ، الخوف من الذهاب للنوم ، فقدان التركيز ، الشعور بالارهاق الجسدي والتذكر المستمر لتجربة التعذيب و عدم مغادرتها لتفكيره، الشعور وكأنه يموت عندما يتذكر ما حدث له، محاولات غير ناجحة لتجنب التفكير بما تعرض له وما يرافقه من تخيلات، وكذلك تجنب الحديث عن تجربة التعذيب ، وتجنب المرور بجوار مركز الاعتقال والتعذيب الذي كان يشعر بالضغط والتوتر ويضطره إلى وضع يديه على وجهه لتجنب رؤية المكان ، ويعاني من الاعياء وسرعة الاثارة ، والحزن والرعشة في جسده ، إضافة إلى فقدان الشهية والوزن، و مزاج مكتئب واحياناً البكاء الشديد ، وشراهة في التدخين وغالبا ما ينتابه الشعور بان شخصيته تغيرت ولم يعد كما كان، علاوة على تأثر علاقاته الاجتماعية وميوله للانعزال في بيته وعدم مخالطة الآخرين. كما أن أ. ج. توقف عن الذهاب لعمله وفقدان لممارسة بعض النشاطات الروتينية . وكان لديه تخوفات من التعرض مجددا للتعذيب ، وغلب عليه الشعور المفرط بالتشاؤم والغضب والرغبة في الانتقام إلا انه كان عاجزاً لا حول له ولا قوة. بعد تشخيص الحالة ، تبين انه يعاني من اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD) اثر تجربة التعذيب النفسي والجسدي التي تعرض لها. وضع الأخصائي النفسي في مركز عزة المجتمعي خطة علاج للمريض تتضمن : جلسات تدخل نفسي وتفريغ انفعالي ، توفير بعض الأدوية والعلاج لمساعدة المريض في الشفاء من بعض الأعراض ، بالاضافة الى علاج نفسي معرفي، مع توفر دعم ومساندة نفسية من قبل المؤسسة التي يعمل فيها. وإستمرت رحلة العلاج في عيادة مركز غزة المجتمعي مدة ثلاثة أشهر، حيث كان المريض يقابل الأخصائي النفسي في جلسة علاجية كل أسبوع في الشهر الأول، ثم مرة كل أسبوعين في الشهرين الثاني والثالث. وبعد إتمام العلاج والتدخل النفسي للحالة، شعرالمريض بتحسن كبير من الأعراض التى كان يعاني منها من قبل فانتظم في عمله وتحسن سلوكه الاجتماعي وعاد الى روتين حياته الطبيعي مع أسرته وأصدقائه. وقد قلّ تذكره لأحداث التعذيب ، كما وطرأ تحسن في ظروف نومه، وتقلصت أعراض التجنب لديه، وعادت شهيته إلى طبيعيتها، وبشكل عام فقد عاد المريض إلى روتين حياته المعتاد. |