الطفل في مواجهة الفقدان
بقلم راوية حمام- أخصائية صحة نفسية مجتمعية
برنامج غزة للصحة النفسية
انهال حسام ذو الأعوام الأربعة بسيل من الأسئلة على
والدته بعد أن سردت على مسامعه جملة من الأخبار المروعة في آن
واحد، تتمحور جميعها حول ظروف استشهاد شاب ووالدته في آن واحد،
واستشهاد زوج بصحبة زوجته، وقصف صاروخي من طائرات الاحتلال لسيارة
تضم أب وابنه في العاشرة وشقيقه أثناء توجههم لبيتهم في مدينة غزة.
فوقعت أسئلة حسام التي دارت في خلده الصغير، ولم
يستطِع أن يجد لها جواباً شافياً لتطمئن لها نفسه، على والدته التي
وقفت عاجزة خائفة على طفلها من نوعية التساؤلات وكثرتها، كوقع
الصاعقة.
ماما .. هل سأستشهد وأنا بالقرب منك أم سأكون بصحبة
والدي في سيارته؟
لا، لا أريد أن أخرج مع أبي في سيارة واحدة
لا أريد أن نخرج من البيت، سنبقى معاً في الداخل
حتى لا تقصفنا طائرات اليهود
ماما، أخبريني متى سأموت أنا وأنت وبابا؟
عندما نموت، أين سنذهب؟
إن الأطفال يتأثرون لوفاة أحد الأقارب، وخاصة
الأعزاء منهم، قد يتجاهل بعض الأطفال الحدث في البداية، وكأن شيئاً
لم يكن، تاركين الانطباع لدى من حولهم أنهم غير آبهين بما حدث، أو
أنهم تغلبوا على الحزن، أو كما يقال "ما زال صغيراً لا يفهم ما
يدور حوله" ولكن مهما تأخر التعامل مع الموت فلكل وتيرته في ذلك.
فكيف يفهم الأطفال الموت؟
كيف يفهم الأطفال الموت؟ يعتمد ذلك على عمر الطفل
وعلى خبراته السابقة عن حقيقة الموت.
الأطفال من سن (3إلى5): إن الأطفال في هذا العمر
يفهمون ويتفاعلون مع موت أحد الوالدين أو المقربين إليهم كفهمهم
وتفاعلهم مع الافتراق، إذ أنهم يظنون بأن الميت سوف يرجع في يوم
ما، وقد ينسون لفترة "ما" خبر الموت، ولكن سرعان ما يبدأون
بالتساؤل عن وقت رجوع الميت.
يمكن إخبار هذا الطفل في هذا العمر مثلاً "إن
البابا ذهب ولن يعود أبداً"، لأن الأطفال في الرابعة أو الخامسة قد
يفهمون في بعض الحالات أن الموت لا يمكن عكسه، لكنهم غالباً ما
يظنون بأن الوالد الميت يعيش في مكان آخر، أو عالم آخر مثل "الجنة"
و"السماء"، فيُستحسن أن يشارك الطفل في توديع الميت، وفي مراسيم
الجنازة، وتقبُل التعازي، ورؤية الحزن الذي يسود جو البيت، وهذا
يساعد الطفل على التكيف مع فكرة فقدان شخص "ما"، كما أنها تساعده
من جهة أخرى على فهم حقيقة الموت وتجاوزه بشكل عام والتأقلم معها.
الأطفال من سن (6إلى12): إن الأطفال في هذا العمر
يدركون معنى الموت، ويعرفون أن الميت لن يعود، لكنهم يريدون كذلك
أن يعرفوا تفاصيل أكثر عن الموت، من حيث كيف ومتى توفى الوالد
مثلاً؟ ومن كان معه؟ والمكان الذي يوجد فيه الجثمان، لأنه في هذه
المرحلة يصبح لدى الطفل القدرة على التخيل لمعالجة الحوادث المؤلمة
التي تُمكنه من التغلب على الشعور بالعجز، ولكنها تجعله عرضة
للشعور بالذنب أحياناً، ففي الوقت الذي يتخيل فيه الطفل أنه قادر
على منع وقوع حادثة "ما"، فإنه بالمقابل قد يلوم نفسه لأنه لم يفعل
ما فيه الكفاية لتفاديها.
المراهقون من سن (13إلى16): يمر المراهقون
بكثير من التغيرات الجسدية والعاطفية، وبفضل إدراكهم ومعرفتهم
وقدرتهم على فهم أبعاد موت الوالد ونتائجه، لذلك فهم أكثر عرضة
للألم والأذى من الأطفال الصغار، وهم قد يضطرون بعد الوفاة إلى
تحمل دور الراشد، وبالتالي فإنه من الضروري أن نعطيهم الوقت الكافي
للتعبير عن شعورهم بالحزن قبل أن نُلقى على عاتقهم مسئوليات
العائلة.
أن التعايش في مجتمعنا هذا، يدفع الإنسان إلى كبت
مشاعره وإظهار الفخر والقوة والصمود، وذلك لا يساعد الطفل المراهق
على التعبير عن مخاوفه وحزنه وألمه، فقد يشعر الشخص أنه الإنسان
الوحيد في العالم الذي مر بهذا الشعور، لذلك من المهم للشخص أن
يعرف أن ما يمر به هو شيء طبيعي يمر به الآخرون عندما يتعرضون
لتجربة الفقدان.
المراحل التي يمر بها معظم الأطفال
للتعامل مع الفقدان:
1-المرحلة الأولى/ الصدمة:
إن الطفل أو المراهق يُصدَم عندما يعلم بما حدث، ويفقد قدرته على
الشعور، وهو لا يريد أن يصدق بأن الموت وقع فعلاً، لأن ذلك يسبب له
الألم، أو هو أحياناً قد ينكر أن الموت حصل فعلاً، هذه هي طريقته
في معالجة الأمر، وفي هذه الحالات لا يجب التواطؤ مع أساليب
النكران عند الولد.
2-المرحلة الثانية/
الحيرة والغضب: إن الطفل أو المراهق يغضب بسرعة ويصبح
عدوانياً مع بقية الأطفال المراهقين، ويسأل نفسه: لماذا حدث لي
هذا؟ لماذا أنا؟ يرافق ذلك في بعض المرات غضب على الفقيد نفسه، كيف
ذهب وتركنا وحدنا؟ وقد يشعر بالذنب، ربما لو قمت بهذا العمل لما
ذهب ولما مات ... في هذه المرحلة توجد محاولات للتأقلم مع الشعور
الكبير بالعجز، ومن هنا يجب تشجيع الطفل على التعبير عن غضبه،
وتفسير ظروف الحادث له.
3-المرحلة الثالثة:
الكآبة والحزن: بعد أن يتقبل الطفل أو المراهق الموت، يبدأ
يشعر بالحزن والأسى لمدة وجيزة، وكثيراً ما ينفجر بالبكاء ويحلم
بالميت ويفتقده، لذلك يتم وضع صورة للمتوفي أو بعض أغراضه في أنحاء
البيت، ويتم الاستعداد من الكبار للحديث مع الطفل عن المتوفي، يجب
على الطفل أو المراهق أن يعرف أن بإمكانه أن يتكلم عن المتوفي، وأن
يشارك الكبار في حزنه، وعلى الكبار مساعدته على التكيف، وذلك
بإفساح المجال له بتكوين علاقات جديدة، والقيام بنشاطات ترفه عنه
وتسليه لاستعادة توازنه النفسي، وتساعده على العودة إلى الحياة
بوظائفها المختلفة.
ردود الفعل الأكثر ظهوراً عند
الأطفال الذين تعرضوا للفقدان:
-
انزعاج الطفل أثناء النوم لاعتقاده أن النوم يشبه
الموت، وخوفه من أن يموت هو أيضاً.
-
مبالغة الأطفال في التخيل والحلم.
- غالبية
الأطفال بعد موت أحد الوالدين يعودون لعادات كانوا قد تركوها منذ
زمن بعيد مثل: مص الأصابع، التبول اللاإرادي، الكلام الطفولي،
وتصرفات أخرى كانت تناسبهم وهم في سن أصغر.
-
المزاج الحاد للطفل والسلوك العدواني تجاه نفسه
والآخرين.
-
فقدان الاهتمام بالألعاب أو الأنشطة التي اعتاد
ممارستها وذلك لإحساسه بالأسى والحزن أو الحداد لأنها ترمز إلى
خسارة عزيز وتذكره بالشخص الفقيد.
-
تعلُق الطفل الشديد بالآخرين والاعتماد عليهم
وخاصة(الأم، الأخوة، الأخوات)، وذلك لشعوره بفقدان المساعدة وبخيبة
الأمل والعجز.
-
قد يشكو الطفل من اعتلال جسمي مثل الصداع، وأوجاع
في المعدة، وجفاف الحلق، وتقلص في العضلات .. الخ.
-
يواجه الطفل صعوبة في الدراسة بسبب شعوره بالإرهاق
وصعوبة التركيز.
- قد
استخلصت أبحاث
Kilman 1968
أن فقدان الطفل لأحد أفراد عائلته في سن مبكرة يقوده إل التعرض
للاكتئاب أثناء سن البلوغ.
-
تختلف الأبحاث حول السن الذي يكون فيه الطفل معرضاً
للخطورة القصوى في حالة وفاة أحد أفراد عائلته بالذات أحد
الوالدين، لكنها تتفق على أن مرحلة الطفولة المبكرة من أكثر
المراحل الحرجة من ناحية إمكانية حصول مشاكل نفسية في المستقبل أثر
وقوع حادث في العائلة.
-
على ضوء ذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف
يمكن أن تساعد الأطفال على تجنب مثل هذه الأعراض التي تؤثر على كل
مجرى حياتهم.
دور الأهل في مساعدة الأطفال
لمواجهة الفقدان:
1.
الإجابة عن أسئلة الطفل بصدق، وتزويده بمعلومات
واضحة غير مبهمة ملائمة لعمره، مع تجنب التفاصيل القاسية والمؤلمة.
2.
أن يحاول الأهل ألا ينشغلوا بحزنهم عن الاستمرار في
منح الحب والحنان لأطفالهم لاسيما في مثل هذه الظروف الصعبة.
3.
التواجد أكبر وقت ممكن مع الأطفال لتوفير جو
اجتماعي وأسري دافئ لهم، مما يعطي الطفل الشعور بالحماية
والطمأنينة لمواجهة آثار الفقدان.
4.
العمل على تصحيح المعلومات المشوهة والخاطئة، وخاصة
أن الطفل لديه خيال واسع.
5.
أن يتيح الأهل الفرصة للطفل للتحدث عن ذكرياته مع
الفقيد والسماح له بالاحتفاظ بصورة قريبة منه إذا طلب ذلك.
6.
التحمل لردود فعل الحزن والأسى الطبيعية لدى الطفل،
والصبر عليها بكل دفء وحب، لأنها ستتوقف بمرور الوقت، مع التذكير
جيداً أن الحداد هو جزء ضروري لعملية التكيف والشفاء من هذه
التجربة المؤلمة.
7.
تشجيع الطفل على الحركة وتنويع ألعابه، ومشاركته في
اللعب، لضمان انخراطه في عقد أنشطة تعبيرية وتخيلية وحركية متنوعة
تُشعره بالتواصل معه.
8.
الحفاظ على انتظام حياة الأسرة، والعودة سريعاً إلى
ممارسة روتين الحياة اليومية، كاللعب والدراسة والزيارات
الاجتماعية المعهودة قبل حدث الفقدان.
9.
من المهم والضروري استمرار التواصل بين الأهل
والمدرسة للكشف عن أية مشاكل عاطفية أو سلوكية تظهر على الطفل،
والعمل على حلها أو الحد منها قدر الإمكان معاً.
مع تحيات: دائرة العلاقات العامة
برنامج غزة للصحة النفسية