أسلحة الدمار الشامل الفلسطينية
بقلم:د.إياد السراج
22.May.2007

لم تعد قضية فلسطين كما كانت، وانحسر الدفاع عنها في العالم، وهاجر عنها أصدقاء كثيرون، ويأس أصحاب القضية خاصة وقد بدأ بعضهم يقتل بعضهم، وتمزقت أوصال الأرض وتعثرت الدروب بالناس، وازدادت شراسة الهجمة الاستيطانية العسكرية الإسرائيلية وترنحت قيادات الوطن فهاجر بعضها ومنها من ذبل ومنها من مات، ولكن بعضها استكبر ليبقى على الكرسي، ومن هذه القيادات من لا يؤتمن على "جاجة"، فكيف يؤتمن على وطن! وانتشر الخراب والسرقة والقتل والسلاح خاصة في غزة.

غابت قضية العدل والعدالة الأولى في تاريخ الإنسانية الحديث وراء سحابات كثيفة غطت الشمس بسوادها وهي سحابات من خطايانا، وأول هذه الخطايا أننا لا نريد أن نتعلم، فكل رجل فينا يتسلم منصباً يصر على أنه الأفهم والأعلم والأكمل ولا يحتاج لأن يتعلم شيئاً ممن سبقوه فيكرر بالطبع أخطائهم، كذلك التنظيمات السياسية والمؤسسات، فليس هناك تراكم للخبرة العامة، بل أننا لا نتعلم من تجارب الشعوب الأخرى مثل انتصار ثورة السود في جنوب أفريقيا بإقامة دولة المواطنة والمساواة والحرية، ولم نتعلم حين تمزقت أوصال الصومال بين ميلشياتها بل وكأن قياداتنا قررت أن ذلك هو المثل الأعلى! ولم نتعلم عندما قتل الجزائريون أنفسهم بإسم الحرية والعدالة والإسلام والوطن، بل وأصرت قياداتنا على المضي في درب الاقتتال!! ولم نتعلم عندما قامت الدنيا على أسامة بن لادن وإرهاب القاعدة وكأننا كنا نتمنى أن ينالنا بعض من هذه التهمة بقتل المدنيين.

والمسألة الثانية وهي تؤكد المسألة الأولى هي إصرارانا على التمزق، وأذكر أنني حضرت المؤتمر الوطني الأول لمنظمة التحرير في القدس في سنة 1965 وكنت ضمن وفد اتحاد طلبة فلسطين، وفوجئت أنه في ذلك اليوم كان هناك عشرات من التنظيمات الفلسطينية ولكن كلها تريد تحرير فلسطين ولا شئ غيره، وتبادر إلى عقلي الساذج في ذلك المؤتمر سؤال بريء وهو: إذا كانت كل هذه التنظيمات تريد التحرير ولا شئ آخر فلماذا لا تكوّن تنظيماً واحداً؟..وعرفت بعد ذلك أن المسألة ليست بهذه البساطة، فهناك دول عربية تريد أن يكون لها تأثير وأن يكون التنظيم الفلسطيني الحاصل على دعم دولة أو أخرى تابعاً لها ويأتمر بأمرها، بل أن ذلك كان أهم أسباب بقاء تلك التنظيمات، وربما سبب إنشاء منظمة التحرير ذاتها والابقاء على تعدد التنظيمات وهكذا أصبحت المنظمة مكاناً لإلتقاء قيادات التنظيمات واقتسام الكوتة وارتكاب المعاصي والخطايا بالسكوت التام عن العفن والفساد في منظمة التحرير.

وصدق الفلسطينيون الشعارات الوطنية عن الوحدة والتحرير وأصبحوا ينادون بأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي!

ولم تكن الدول العربية وحدها صاحبة المصلحة في الإبقاء على التمزق الفلسطيني ولكن هناك دولاً أجنبية لها تأثيرها ودورها وسطوتها ورجالها، ولكن الأكثر إيلاماً من كل ذلك هو أن الشخصيات "الوطنية" الفلسطينية و"القيادات" كانت تعرف كل ذلك وتسكت عليه لقاء حفنة من الدولارات أو خوفاً من قول الرأي الجرئ. بل انتفخ الاحساس بالعظمة لدى بعض هذه القيادات فصار الواحد منهم مقتنعاً بأنه الوطن وأصاب البعض لوثة جعلته مقتنعاً بأنه يمثل الذات الالهية.

ولم يتعلم الفلسطينيون من تاريخهم وكيف استعمل الاستعمارالخلافات الشخصية والعائلية الفلسطينية لمصلحة أعداء فلسطين. لم يتعلم الفلسطينيون من تاريخ الخلاف بين الحسيني والنشاشيبي فلما حضرت قيادة المنظمة على جناح "أوسلو" كان أول ما فعلته هو زرع بذور الشقاق في داخل أحد العائلات المرموقة في غزة بحجة تشكيل المجلس البلدي ثم انغمست في توزيع الرشاوي في شكل المناصب والدرجات على القبائل والعائلات شراءاً للذمم والولاء والنتيجة هي أن بعض هذه العائلات صار مسيطراً على أجهزة السلطة ذاتها. ويجرنا هذا الحديث إلى المسألة الثالثة وهي العقلية القبلية السائدة في فلسطين والتي لها ثقافة وجذور ممتدة في التاريخ ولها فروع ممتدة في الحاضر بالمصالح والمغانم.

إن التمزق الفلسطيني يبدو اليوم على أشده في قطاع غزة وذلك بسبب فشل السلطة الفلسطينية على كل الأصعدة وغيابها الكامل في تثبيت القانون والأمن مما أدى إلى تنامي سطوة بعض العائلات والقبائل والميلشيات التابعة للتنظيمات، فالحاصل أن العقلية القبلية هي أصل التمزق والفرقة، بل وهكذا استطاع الاستعمار في تاريخه في مختلف البلاد من السيطرة على تلك البلاد باستعمال سياسة "فرق تسد" وزرع التنافس والأحقاد بين القبائل والعائلات حتى أصبح الانتماء العائلي هو المؤهل لرضاء الحاكم وللثروة أو السطوة أو الوصول إلى مراكز السلطة، فلما جاءت السلطة الفلسطينية قامت بتكريس ذلك بدلاً من أن تبدأ بناء مجتمعٍ قائمٍ على المواطنة والمساواة أمام القانون بل أن مرض القبلية كان مستفحلاً في السلطة ذاتها وفي منظمة التحرير..فكيف لها أن ترى النور من الظلام! لقد أصبح التنظيم في عقل أصحابه هدفاً بحد ذاته وأصبح بديلاً عن الوطن وأصبح أعضاء التنظيم يتقاتل مع التنظيم الآخر وكأنه يحاول احتلال وطن آخر. ونسي الجميع أننا جميعاً ضحايا للاحتلال الاسرائيلي الذي لا يفرق بين حمساوي أوفتحاوي ونسوا أن الفتحاوي ليس أقل اسلاماً من الحمساوي وأن الحمساوي ليس أقل وطنية من الفتحاوي.

والمسالة الرابعة هي أننا خالفنا ما اتفقنا عليه مع أنفسنا ومع الدول العربية بعدم التدخل في شئونها الداخلية لكن قياداتنا حاولت الانقلاب على الملك حسين وإقامة دولة ثورية مما تسبب في مقتل الألوف من الفلسطينيين وطرد المقاتلين الى لبنان فلم نتعلم. وفي لبنان قامت قياداتنا بإقامة دولة داخل الدولة فكرهنا اللبنانيون خاصة بعد ما فاحت رائحة بعض القيادات ومسالكهم، وتنفس اللبنانيون الصعداء بطرد المنظمة الى تونس ولم نتعلم. وفي عام 1990 أيدت قيادتنا غزو العراق للكويت واحتلاله – ونحن الذين نقاوم الاحتلال - مما تسبب في طرد مئات الألوف من أبنائنا في الخليج. وبعد كل ذلك فلا يبدو أننا نتعلم فهناك من الشواهد على تدخلنا في الأمن المصري وها هي "فتح الاسلام" تثير الشكوك فينا من جديد.

والمسالة الخامسة هي أن قضايا مثل القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان تصبح ترفاً لا معنى له في غياب السلطة المركزية القوية التي تؤمن الاستقرار. وجاءتنا الديمقراطية فماذا فعلنا بها وفيها؟، ازددنا تمزقاً وانقساماً وشرذمة، واصبح الدم الفلسطيني مباحاً لمن يريد القتل. إن الديمقراطية لا تصلح من أحوال مجتمع قررت قياداته وتنظيماته وعائلاته الإبقاء عليه منقسماً مهشماً حتى يظل لبعضها حظوة أو سطوة وهي غير عابئة بالوطن أو القضية.

هذه هي اليوم أحوال فلسطين وأهلها..وكأن مسيرة التحرير قد عكست اهدافها، وكأن المطلوب هو تنفيذ أهداف أعدائنا في التجهيل أو التهجير فكيف وصلنا إلى كل ذلك وكيف استعملنا كل ما هو ضدنا من أسلحة الدمار الشامل الفلسطينية حتى نتأكد من نصر إسرائيل، مع أنه لدينا أسلحة كثيرة أهمها قضية العدالة والمساواة والمكانة العالية الأخلاقية للقضية الفلسطينية وحيوية هذا الشعب والتأييد الهائل لهذه القضية العادلة.

فهل نتعلم؟
متى نتعلم؟
وكيف نتذكر أن الاحتلال لأرضنا هو أصل الشرور ولا شر بعده؟
وأين الطريق؟