البحث
العلمي في ظروف الصراع و الحرب
بقلم د. عبد العزيز ثابت
استشاري الطب
النفسي وباحث رئيس- برنامج غزة للصحة النفسية
مقدمة:
تعتبر الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 من المناطق القليلة
التي استمر فيها الصراع و الحرب, بداية بعد أن تم اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم , و توزعهم على
الضفة الغربية, و قطاع غزة, و باقي الدول العربية و الاجنبية سنه 1948 . و كان لممارسات الاحتلال الإسرائيلي القمعية
تجاه المواطنين في الضفة الغربية, و قطاع غزة الأثر البالغ في ظهور العديد من
المشاكل النفسية والاجتماعية المتمثلة في زيادة العنف, و ارتفاع معدل البطالة, و المشاكل النفسية المختلفة في الأطفال و النساء و الرجال
على حد سواء. و منها زيادة معدلات القلق, و الاكتئاب , و
كرب ما بعد الصدمة, و المشاكل السلوكية و الانفعالية لدى الأطفال, و تدني المستوى التعليمي و الاقتصادي. و كانت نتيجة ذلك توجه العديد من الباحثين في مختلف الجامعات الفلسطينية
و المراكز البحثية لمحاولة دراسة و سبر غور مثل تلك الظواهر النفسية, و
الاجتماعية, و الاقتصادية للخروج بمؤشرات تساعد صانعي القرار على اتخاذ ما يرونه
مناسباً من قرارات مبنية على البحث العلمي للتخطيط للمستقبل.
ومن المعروف أن العمل البحثي يتطلب بيئة مناسبة
للعمل و تشمل وجود عينة للبحث, ووجود هدف محدد لمثل هذه الأبحاث و محددات بحثية و مكانية, وطرق,
وأدوات للبحث قد تشمل أدوات للبحث الكيفي أو الكمي, و طرق إحصائية تعتمد في برامج
محدده مثل برنامج الحزمة الإحصائية للعلوم الاجتماعية SPSS)) أو غيرها من البرامج, و عرض النتائج يتطلب عرض جداول و أشكال
يستطيع القارئ العادي أن يفهمها.
و لكن في ظروف الصراع و الحرب تكون هناك عدة معيقات للباحثين و هنا
سنتطرق لأهم المشاكل التي واجهت الباحثين في منطقتنا.
1- العينة البحثية:
في كثير من الأحيان يتم تحضير العينة البحث ممثلة لتعداد السكان في
المنطقة ويتم وضع قوائم للمشاركين في الدراسة و لكن لظروف الحواجز و الاغلاقات
التي تتم في القطاع أو في الضفة الغربية في الوقت الحالي فأن مثل هذه الفئات لا
يمكن الوصول إليها مما يترتب عليه أخذ عينة من مناطق أخري مما يؤثر سلباً على
النتائج, و ذلك لحاجة الباحثين للوصول إلي عينات من السكان واقعين تحت الحصار و
الإغلاق لمعرفة التأثيرات المباشرة عليهم.
كما أن هناك مشكلة في تعبئة الاستبانة من المفحوصين الذين تكون لديهم
الانطباعات الأولي على أن تعبئة الاستبيان تجلب المساعدة المادية لهذه الأسر و
يبدأون في السؤال عن المساعدات, و من ناحية أخرى قد لا يتعاونون خوفاً من أن تؤخذ
هذه المعلومات لجهات معادية و يبدءون في تعبئة الاستبانة بطريقة عفوية بدون النظر
للأسئلة. وفي بعض الحالات يتم طرد الباحثين بطريقة
عنيفة, و يتم مهاجمتهم في بعض الأحيان.
2- المراجع العلمية:
نتيجة للظروف الصعبة التي يعيشه الباحثون في مناطق الحرب و الصراع فإن
هناك افتقاد للمصادر المعلوماتية من كتب , و مجلات, و
دوريات علمية, و مكتبات عامة يرجع لها الباحثون للحصول على الدراسات السابقة اللازمة
لإكمال الدراسة. كما أن الإغلاق و الحصار المفروض على
القطاع يجعل من المتعذر على الباحثين حضور المؤتمرات و ورشات العمل التي تجري خارج
الوطن و التي يمكن الاستفادة من الأوراق البحثية التي يتم إلقائها في مثل هذه المؤتمرات.
3- التواصل بين الباحثين
في ظروف الصراع و الحرب كما هو الواقع هنا في قطاع غزة هناك صعوبة
بالغة في اللقاءات المتكررة بين الضفة و غزة و يتم الاتصال عن طريق الوسائل
المرئية و المسموعة مما يفرغ البحث العلمي من محتواه الإنساني في الاستماع لوجهات
نظر الباحثين الآخرين و محاولة فهم ما تم في هذا المجال. كما أن هناك صعوبة في
وصول الطلاب لمشرفيهم في برامج الدراسات العليا لعدم وجود وقود في بعض الأوقات و
عدم قدرة الطلاب على عمل التعديلات اللازمة نتيجة للانقطاع المتواصل للكهرباء.
4- النتائج و التوصيات:
نتيجة لظروف الصراع و الحرب و لوجود عوامل لا يستطيع الباحث أن يتحكم
فيها فإن بعض النتائج لا تكون متوقعة و لا تتوافق مع الدراسات السابقة مما يضع
الباحث في معضلة هل أن بحثه غير صحيح أو العينة غير ممثلة, أو التحليل الإحصائي
غير واقعي مما يلزم إعادة صياغة الأسئلة و محاولة الإجابة على ما هو موجود. كما أن التوصيات من الدراسات المختلفة قد لا يكون من الممكن
على صانعي القرار أن يقوموا بتنفيذها لأن معظم المصادر المتاحة تذهب للحاجات
الإنسانية العاجلة للسكان و لا يتبقى للتطوير إلا الشيء القليل.
الخلاصة
إن للعمل في مجال البحث العلمي في مناطق النزاع و الحرب له مساوئ
كثيرة مثل صعوبة الوصول للعينة المفحوصة, و تدني نسبة الاستجابة من عينة الدراسة
نتيجة التأثيرات الثقافية و لكن دراسة بعض الظواهر لا تتم إلا في وجود الصراع و
الحرب لما لها من تأثير مباشر على السكان و يلزم دراساتها للاستفادة منها في تجنب
صراعات قادمة و في تحسين المستوى المعيشي للسكان.