الحرب على غزة...عام ماضي...إلى أين...

بقلم د. عبد العزيز ثابت

طبيب نفسي وباحث- برنامج غزة للصحة النفسية

 

يمر عام على ذكرى الحرب على غزة والتي أزُهقت فيها أرواح 1500 فلسطيني، أكثر من نصفهم من النساء والأطفال، وتركت حوالي خمسة ألاف بين جريح ومقعد . بعضهم كان له الحظ في الخروج من غزة واستكمال علاجه ، وبعضهم ونتيجة للحصار الظالم على غزة لم يستطيعوا الخروج واستمروا في معاناتهم نتيجة الإصابات المتعددة التي اصيبو بها خلال الحرب.

لقد تركت هذه الحرب الهمجية ردود فعلٍ وآثار جسدية تمثلت في الآلام الناتجة عن الإصابات الجسدية والنفسية ، والآثار الاجتماعية.

من خلال عملنا كطبيب نفسي في غزة فقد خطر ببالي كتابة جزء من التجربة التي عشتها كطبيب وإنسان أثناء الحرب, وبعد الحرب.

 

على صعيد الخبرات النفسية الصادمة فقد اختلط عليَ كثير من المفاهيم التي تعلمتها في الغرب والشرق عن أنواع الخبرات النفسية و تعريفها بأنها عبارة عن حدث صادم مفاجئ و غير متوقع يجعل الإنسان عاجزا عن فعل شيء و يسبب ردود فعل نفسية متمثلة في أعراض كرب ما بعد الصدمة و التي تشمل استعادة الخبرات الصادمة عت طريق الذكريات , و الأافكار , و الكوابيس, و تجنب كل ما يتعلق بخبرة الحرب متمثلا في الاحساس بالبعد عن الآخرين و تبلد الاحساس و العواطف و تجنب أي موقف أو إنسان يذكر بالحرب, و اخيرا زيادة التنبية من خلال نوبات الغضب, وسرعة التهيج, و الشعور بالتوتر و التوقع الدائم للأسوء.

 

أما ما تعرضنا له في غزة  فقد كان متوقعا ولكن حجم القوة العسكرية في الحرب على غزة أحدثت صدمات نفسية أكثر كثيرا مما تم تخزينه في ذاكرتنا, ولم تستطيع التجارب  و الخبرات السابقة التي مررنا بها في الأعوام الماضية  أن تساعد في تحليل هول هذه الصدمات التي لم تترك أي مساحة للأمان لنا و لا للمحيطين بما القدرة على مواجهة ردود الفعل على تلك الخبرات الصادمة,  وكان كل شيء حولنا ومن داخلنا من دفاعات نفسية وطرق للتكيف تعلمناها في حياتنا الإنسانية والمهنية كطبيب نفسي تم تدريبه على العمل في خلال الأزمات والحروب قد تداعى,  بالرغم من محاولاتي في إقناع نفسي بأن المكتوب من الله سيتم وبأنه لن يكون إلا ما أراد الله، ولكن كانت تنتابنب تلك النوازع البشرية في البقاء على قيد الحياة , والحفاظ على هذا الجسد من الإصابة نتيجة للحرب تمثل الهاجس الأكبر لي ولغيري من الناس  نتيجة القصف المتواصل و خاصة القنابل الفسفورية . وهل ستتركننا هذه الإصابة غير قادرين على تأدية رسالتنا في مساعدة الآخرين في التغلب على آثار هذه الحرب، وعلى الجانب الأخر كان هناك الواجب الطبي كطبيب نفسي متخصص أن أكون صادقا أمام الآخرين وألا أظهر خوفي وهلعي مما يحدث حولي من أهوال الحرب,  ومن أصوات القصف المتواصل من البر والبحر والجو . وكانت هناك اللحظات المريرة التي شعرت كما شعر بها الكثير من الأخصائيين العاملين في مجال الصحة النفسية بالعجز النفسي عن إعطاء الآخرين الدعم النفسي اللازم لهم لمواجهة آثار الحرب القصيرة والطويلة  في السنوات اللاحقة. كل تلك المشاعر كانت تختلج في جوانحي وفي صدري وكنت على اتصال مستمر في أوقات وجود كهرباء عن طريق شبكة الانترنت مع أخصائيين نفسيين وأطباء عرب وأجانب في نفس المجال وكان لديهم نفس الهم ونفس الشعور بالعجز و بعدم القدرة على مساعدتنا في فترة الأزمة.

ردود الفعل والمشاعر  الناتجة عن الحرب كانت لدى الكثير من الناس ولقد كانت تلك المشاعر هي مشاعر طبيعية وردود فعل طبيعية لأحداث غير طبيعية، وتمثلت هذه المشاعر و الردود النفسية في الشعور بالخوف، والقلق، والتوتر، و توقع الأسوء, والكوابيس, و الاستشارة الدائمة, وتجنب الآخرين,وتبلد العواطف, وعدم القدرة على النوم، وكان يصاحبها كذلك اضطراب واضح في العواطف والوجدان , والتي تمثلت في عدم القدرة على اتخاذ القرار والشعور بالعزلة، والكآبة ،والعجز. وهنا أتطرق لموضوع العجز النفسي الذي يجعلك غير قادر على تقديم أي شيء لمن حولك ، فأنت فقط تجلس وتفكر فيما سيحدث لك ومتى ستنتهي هذه الحرب؟ وكيف يمكن مساعدة هذا العدد الكبير من الأطفال والبالغين الذين تعرضوا مباشرة لأهوال تلك الحرب ؟ وهل سنكون قادرين على تقديم الدعم النفسي والاجتماعي اللازم لمساعدة هؤلاء الناس والتكيف مع أثار هذه الحرب ومواصلة حياتهم العادية ؟ وأي حياة عادية يعيشها الناس في غزة بمعدلات البطالة التى تتزايد وعائلات كثيرة تعتمد على الإعانات التي تتلقاها وتنتظرها بفارغ الصبر، و آثار الدمار و الخراب و شبح الموت يخيم على الحياة, وآثار الحصار البادية في وجوه الناس، وفي شعورهم بانهم في سجن كبير،  ولكن عادة  في السجن يتكفل السجان بتوفير متطلبات الحياة اليومية للسجناء,  ولكن في غزة فقد أقفل السجان باب السجن علينا ورمى المفتاح في قعر بحر غزة، ونسي أهل غزة ظانيين بأن هذا الحصار,  والسجن سيفت من عضد أهل غزة,  ويُركعهم ويجعلهم مستسلمين لقدرهم,  وأن هذه القطعة من الأرض ستكون نموذج للآخرين لمن ينادي ويطالب بحقه الذي سلب طول العقود الماضية، وأن عليه أن يرضى بأن يكون عبدا. ولكن أقول بأن هناك الحصار والحرب قد زاد من إيمان الناس في غزة بعدالة قضيتهم وبأن هذا العالم الظالم الذي أعطى السجان مفاتيح السجن وساعد في إقفال هذا السجن إنما يسجن نفسه في غروره وجبروته. فإنهم لم و لن يعرفوا أهل غزة,  ولم يقرؤوا التاريخ جيدا ويعرفوا بأن هذا الشعب هو كطائر العنقاء الذي يخرج من الرماد رافعا رأسه عاليا محلقا في السماء الزرقاء طافيا على أمواج بحر غزة التي تكسرت عليها كل المصائب والأهوال السابقة، وبقي شعب غزة صامدا متماسكا بحقه في استخدام جميع الوسائل التي تمكنه من الحصول على حقه السليب.

 

وبعد انتهاء الحرب كان لزاما علينا كعاملين في حقل الصحة النفسية أن نحاول أن نضمد جراحنا النفسية والجسدية والبدء من جديد في تضميد جراح الاخوة العاملين في مجال الصحة النفسية ومساعدتهم في مشاعرهم وردود فعلهم عما تعرضوا له خلال الحرب حتى يكونوا قادرين على مساعدة الآخرين.

وكان لزاما علينا معرفة التأثيرات النفسية قصيرة وطويلة المدى على الناس في غزة، وقد أُجريت العديد من الدراسات التي تناولت أنواع الخبرات الصادمة وردود الفعل عليها وطرق التكيف التي استخدمها الناس لمواجهة الآثار القصيرة للحرب ومما وجدناه أن هناك صدمات جديدة، ولم نكن نعرفها من قبل مع عدم الشعور بالأمان، والإصابات الناتجة عن الحروق ونتيجة لقنابل الفسفور الأبيض,  والأسلحة المحرمة دوليا وكذلك ظهور ظاهرة الهجرة الداخلية من المناطق التي تعرضت للقصف المستمر، وترك الناس لبيوتهم وممتلكاتهم والعيش في المدارس وفي بيوت الأهل والأصدقاء مما ترك أثار سلبية وايجابية في نفس الوقت.

أما الآثار السلبية فتمثلت بالشعور بالقلق,  وتوقع حصول الحرب مرة أخرى,  واستعادة الخبرات الصادمة عن طريق التذكر المستمر لما شاهدوه وسمعوه  وكذلك الشعور بالغضب الشديد من العالم الذي تركهم يواجهون هذه الحرب بمفردهم رغم الأصوات التي سمعت هنا وهناك تنادي بإنهاء الحرب على غزة وعلى حسب المثل الشعبي" الذي بيأكل الكتل مش الذي اللي بيعد العصي".

ومن الأعراض التي وجدناها الشعور بأن الحياة والموت قد تساوت ولأيهم ماذا يحدث بعد ذلك وأن من خرج من هذه الحرب سالما منها فمهما يحصل له بعد ذلك فلن يكون أكثر أو أصعب مما تعرض له في فترة الحرب، وأن كل شيء أهون من الحرب،  وهذا كان له مردود ايجابي على تقوية قدرة الناس على التكيف مع أهوال الحرب ، ومحاولة استخدام طرق للتكيف المتمثل في زيادة الإيمان بالقضاء والقدر، وانه بعد الحرب سيكون هناك إعادة بناء وتعمير لما خربته الحرب ولكن بدأ شعور الناس بالإحباط وفقدان الأمل يتزايد نتيجة لأن السجان ما زال يدعي بأنه نائم وأنه لم يجد مفاتيح السجن التي رماها في البحر وأن الأعمار ما هو إلا سراب.

فبعد مرور عام على الحرب ما زال الناس في غزة يعيشون حياتهم العادية ويتزوجون وينجبون الأبناء ،والطلاب يذهبون للمدارس، والمصالح تعمل بما هو موجود ،وما زال الناس لم يفقدوا الأمل في رحمة الله سبحانه وتعالى في تغيير هذه الحالة وفك الحصار ورفع هذا الظلم الجائر عليهم .

ولكن ما زالت الآثار السلبية قائمة من شكوى الناس من الخوف من حرب قادمة وهل سيكونوا قادرين على تحمل حرب أخرى، وأقول هنا بأن العقل البشري يختزن كل الخبرات الصادمة في شبكة من الأعصاب القادرة على تلقي صدمات نفسية أخرى وقادرة على تحليل هذه الصدمات وإمتصاصها والاستمرار في الحياة . وما زال الأطفال يشعرون بالخوف من المستقبل وبالغضب الشديد عما حصل لهم ولأهلهم وإصرارهم على التعليم والاستمرار في الحياة هو من طرق التكيف التي تعلموها من آبائهم وأجدادهم على مر العصور الماضية.

 

وتستمر غزة في الصمود والحياة رغم أنف الظالمين والحاقدين……..

 

لك الله يا غزة وبالله العزة و النصر…….

 

غزة في الذكرى الأولي للحرب على غزة

د. عبد العزيز موسى ثابت

27/12/2009