مأساة غزة إلى متى...؟
مروان دياب - برنامج غزة للصحة النفسية
انتهت الحرب على غزة... ولكن ماذا بعد...؟؟ الإجابة وبكل بساطة الحزن..الألم ... الفقدان... الدمار.. الحصار، معاناة لها بداية ولكن ليس لها نهاية...ما زالت الآلام موجعة في غزة، فالكثير من المآسي التي خلفتها الحرب الأخيرة ومن قبلها الحصار والاقتتال الداخلي، الكثيرون يعانون من مشاكل نفسية، وهناك حالة من التردي الاقتصادي والصحي والاجتماعي يعيشها القطاع وسكانه الذين يزيدون عن إلـ 1.5 مليون نسمة.
دعوني أعود إلى الوراء قليلاً، عندما كنت جالسا مع أطفالي الأربعة، أحاول أن العب معهم واشغلهم عن صوت الانفجارات الشديدة جراء القصف...وكانوا ملتصقين بي ويرتجفون من شدة الخوف والهلع، انفجر صاروخ فجأة ودون أي مقدمات بجانب منزلنا كانت أطلقته الطائرات الإسرائيلية الحربية، صرخوا أطفالي والتصقوا بي أكثر فأكثر، أما ياسمين وهي بنت التاسعة فأغمضت عيناها وأخذت تبحث عن مكان في جسمي لعله يشعرها بأنها أكثر أماناً، وكأب يجب أن يكون هو القوي دائما في نظر أبنائه، والقادر على حمايتهم حتى من آلة الحرب الإسرائيلية، قمت بالتحدث معها وتهدئتها بهدف إشغالها عما يحدث بالخارج، ولكن دون جدوى، فهي لم تستجب، وأصبح حديثي وكأنه كان موجهاً لأناس خارج المنزل.
بعد أن انتهت الحرب ... جاءت ياسمين وقالت: "يا بابا أنا كل ما أتذكر أيام الحرب، وخاصة صوت القصف القوي إليِّ صار جنب بيتنا، أتمنى أن أموت وما أتذكر هذه اللحظات، أنا يومها كنت حاسة حالي بدي أطلع فوق عند ربنا زي إلي بيستشهدوا، أوعدني يا بابا أنه ما في حرب ثانية"… لم أستطع أن أقطع وعد لها وحضنتها بقوة وبصمت.
للأسف إن وضع ياسمين خلال الحرب كان الأفضل من بين الأطفال الآخرين الذين عايشوا القتل والدمار وفقدان الأعزاء، وإن بقوا الأعزاء فلم يكونوا قادرين علي حمايتهم أو حتى حماية أنفسهم... إن هذه الحرب القاسية نتج عنها الكثير من المشاعر السلبية لدي الجميع، كما أدت إلى زيادة عدم الاستقرار وعدم الأمان والطمأنينة، والشعور بالعزلة...إن عدم الراحة والأمان جعل الوضع أكثر سوءاً، وضاعف من تلك الصدمات المستمرة التي تعرضوا لها في السابق جراء الحصار الخانق، والفقر، والبطالة، وعدم وجود الرعاية لكافة مناحي الحياة.
ولا يخفى على أحد بأن وضع الشعب الفلسطيني وخاصة الغزي لا يبشر بخير، وإن الأدلة السابق ذكرها، تجعل غالبية الشعب الفلسطيني في قطاع غزة تحت تأثير صور وذكريات أصبحوا عاجزين عن تجنبها، وقد أدى تراكم هذه الأشكال المختلفة من العنف وتعرض الأطفال الفلسطينيين للتجارب الصادمة، إلى ظهور ردود أفعال نفسية وسلوكية سلبية لدى هؤلاء الأطفال بشكل يهدد سلامتهم النفسية بصورة كبيرة، أما الكبار فتولَّد لديهم شعور بالعزلة واليأس وفقدان الأمل والرغبة بالانتقام، كما أنهم قلقون ولديهم صعوبة بالتركيز واستعادة ذكريات الأحداث الصادمة والمؤلمة، ولديهم مشاعر من الإحباط والغضب واليأس.
لقد بيَّنت نتائج دراسات بحثية، أن غالبية الفلسطينيين لا يشعرون بالأمن والأمان بسبب العقوبات الجماعية المستمرة التي تفرضها إسرائيل ضدهم، ومع أن الشعور بالأمن والأمان هو من أهم مقومات الحياة الأساسية لأي إنسان كي يتمتع بصحة نفسية جيدة، وبمعنى آخر، فإن نقص الأمن والأمان سوف يؤثر بالتأكيد على الصورة النفسية للأجيال الفلسطينية القادمة.
إن الغالبية العظمى من السكان عاطلين عن العمل، وما يقارب من 80 % يعيشون على مساعدات وتبرعات من خلال المؤسسات الدولية الإغاثية، ما جعل إعتمادهم على الذات، ينتقل إلى الاعتماد على الغير، الأمر الذي خلف آثاراً كبيرة من الفقر، ونتائج مجتمعية كارثية، حيث هُمِش دور الآباء كمسئولين ومعيلين لأسرهم، ما جعلهم يفقدون مشاعر التقدير لذواتهم، وأصبحوا يلجأون بصورة تلقائية للعنف والعدوانية في الغالب لإثبات سلطتهم، مما ساهم في إنتشار العنف العائلي، وهذا كله أدى إلى إحداث خلل في بنية الأسرة الفلسطينية، بحيث أصبح لزاماً على مجتمعنا أن يحارب لعقود من الزمن لمواجهة تلك النتائج الكارثية.
لقد أثر الحصار والحرب الأخيرة على غزة، على الحالة النفسية للمواطنين في القطاع من حيث الشعور بالعجز، وإرتفاع نسبة العدوانية، والعديد من المشاكل السلوكية الأخرى لدى الأطفال والكبار، لذلك يتوجب على جميع المعنيين التركيز على الآثار النفسية للحرب، وعمل خطة للتدخل العلاجي والدعم النفسي للحد من هذه الآثار، مع التأكيد على ضرورة تعزيز شبكة المساندة الاجتماعية، والعمل على تصحيح الأفكار السلبية.
كذلك تشجيع ممارسة الأنشطة التي تهدف للتخفيف والترفيه عن الأطفال ومساعدتهم في التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم ومخاوفهم، وكذلك إكسابهم مهارات تخلق لديهم روح التحدي والتغلب على المخاوف، والتركيز على أهمية دور الأسرة بالدرجة الأولى لتوفير بيئة داعمة مليئة بالحب والطمأنينة والإحساس بالأمان.
ومن وجهة نظري، أننا كمهنيين وعاملين في مجال الصحة النفسية، مطالبون بأن نتصدى لتلك النتائج من خلال الإعداد لحملات توعوية، وخلق أجسام وتجمعات محلية ودولية من أجل الضغط والمساعدة في إنجاح هذه الحملات، فنحن كعاملين في هذا المجال، قادرون أكثر من غيرنا على فهم طبيعة الأمراض والمشاكل التي تنتج عن تلك الممارسات الوحشية التي تؤدي إلى نتائج كارثية على المجتمع الفلسطيني.