قابل للتغيير....

قابلته بعد خمسة أشهر من الغياب فكدت لا أعرفه فقد تغير كثيراً وملامح القلق تبدو على محياه وقد انخفض وزنه لكنه مازال يحتفظ بأناقته المعهودة وتعليقاته الساخرة وبادرني ممازحاً كعادته هل ما زلت تفكر في السياسة وتكتب المقالات؟ وماذا أفادتنا مقالاتك؟ فتظاهرت بعدم الاكتراث لكي لا أرهقه شرحاً مشفقاً على حالته فقد أحسست أنه يعاني معاناة كبيرة، فصديقي هذا أعرفه جيداً منذ زمن بعيد لا يتغير حاله بهذا الشكل إلا إذا كان يمر بأزمة حالكة، فهو رجل عاقل يحترمه الآخرون وله مكانة وصداقات كثر وسلوك يفرض احترامه على كل من يتعامل معه، وأخذت أمازحه فقلت له: دعنا من السياسة فالأحوال التي نعيشها تكاد تخنقنا جميعاً في الوطن الذي يتقلص شيئاً فشيئاً، فهز رأسه وقال: نعم نعم فلدي ما يخنقني أكثر من كل هؤلاء الناس، فلدي مشكلة خاصة بالإضافة للمشكلة العامة التي نعانيها جميعاً، فقلت له: معقول أنت الذي تحل مشاكل الناس ولا يتركك صاحب مشكلة إلا وهو مقتنع بحلك، فما هي المشكلة التي تعاني منها يا صديقي العزيز؟ وتظاهرت بالانشغال ببعض الأوراق فأشعل سيجارته المعهودة وقال: أنت تعرف آرائي وقناعاتي في مشاكل مجتمعنا وبفكرنا المتقدم كيف بذلنا جهدنا في محاولة التوضيح للناس واقناعهم بتنظيم حجم الأسرة ومشاكل الزواج المبكر وتعدد الزوجات. عشرون عاماً ونحن منهمكون في قضايا المجتمع نحاول إصلاحها وخاصة ما تسببه حالات تعدد الزوجات وكم كنا نسخر ممن يفعل أو يؤيد ذلك وننعته بصفات التخلف والجهل والأنانية وعدم المحافظة على حقوق المرأة والزوجة وأنانية الذكورة المسموح لها بالزواج من أكثر من امرأة وهم يقترفون آثاماً بحق أولادهم وزوجاتهم، فقلت: نعم ومازلنا نعارض ذلك، فقال: وأنا كذلك ولكن؟00000 فسألته بشغف: ماذا تعني بلكن؟ فقال: منذ أشهر وأنا أبحث عمن يستمع لي ويفهم ما أقول لأحدثه بصراحة عله يخفف عني فالناس مشغولون فيما هو أهم من ذلك، فهم مشغولون بالانتفاضة والحالة الصعبة التي نعيشها، حيث لم يعد الواحد منا يستطيع زيارة أخيه أو قربيه لكثرة الحوادث الدامية والتي قد تكلفك حياتك في لحظة أو أقل منها، فقلت له: نعم هذا صحيح، ولكن ماذا بك؟ وما الذي غير أحوالك ولم تعد صحتك كالسابق فهل كنت مريضاً؟ فقال: نعم، خمسة أشهر وأنا أعاني من مرض عضال ليس له علاج، فقلت له: هل عملت فحوصات وزرت أطباء؟ فقال: لا، فأنا أعرف ما لدي وجئت أبحث عنك علك تجد لي حلاً فأنا متعب، فقلت له: بماذا تشعر؟ فقال: أنت تعرف كم أحب أولادي وزوجتي وكم ضحكنا وسخرنا مما نعتقد فيه أنه خروج عن المألوف إذا ما تزوج أحد على زوجته أو وقع في غرام إحداهن وهو متزوج وكم كنا نوبخه ونقاطعه ونعتبره سيئ الخلق فإذا بي أشعر بارتياح تجاه فتاة قابلتها ولم تفارقني حتى الآن رغم فارق السن، وكم شعرت بالألم عندنا تجاذبت معها الحديث وسألتني إن كان لدي عريس مناسب لها بعد أن تغربت وحصلت على أعلى الشهادات، وبعد كل هذا العناء قطعت فيه شوطاً من العلم لم يقطعه الكثير من الرجال وجاءت أخيراً لمجتمعنا المحكوم بعاداته وتقاليده ولا تجد عريساً يليق بها رغم جمالها، فقلت له: هل هذا الأمر شكل لديك مشكلة كبيرة؟ وما دخلك في ذلك؟ فرد بعصبية: إنها ضحية مجتمع يبحث عن الزواج من فتيات العشرين ومحظوظة من تجد زوجاً في سن الخامسة والعشرين أما هي فقد أصبح عمرها ثلاثون عاماً، فقلت له: لا تقلق فغداً ستجد العريس المناسب الذي تتمناه، فقال: حتماً لن تجد فأيامنا صعبة والناس مشغولون في أحوالهم ومستقبل بلدهم والحالة الاقتصادية المتردية وإغلاق الطرق مما يفوت الفرصة على الفتيات اللواتي هن في هذه السن الحرجة، فقلت له: لماذا أنت متشائم وتختلق أسباباً واهية لا علاقة لها بالعلاقات الإنسانية فالناس يتزوجون في أقسى أنواع الحصار فعاد يسأل: وهل ستجد العريس المناسب لعلمها وثقافتها وجمالها، فقلت له: فعلاً لديك مشكلة كبيرة جداً ويبدو أنك وقعت في غرامها، فأزاغ عينيه خجلاً عني وودعني وانصرف تحت القصف الإسرائيلي على المخيم الغربي، وبدأت أفكر كيف أن الإسرائيليين يحاولون قتلنا وإعاقة نشاطنا اليومي وكل مناحي حياتنا بدءاً من القتل على الحواجز والعقاب الجماعي والقصف المكثف على المدنيين في الوقت الذي يبقى فيه شعبنا مثل باقي البشر يحس ويتجاذب ويتحاور ويبني علاقات إنسانية وعاطفية سامية مثل الآخرين، وتتغير نظرتهم للأمور إلا ثوابتنا الوطنية فهي غير قابلة للتغيير.

د. طلال الشريف 26/2/2001