علاج تحت القصف بقلم: راوية حمام

في الرابع من ديسمبر لعام 2001، في الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً، وصلت الطفلة إيمان لعيادة غزة، أخذت بالصراخ وجسمها الصغير يرتعش وحاولت الاحتماء بحضن والدتها التي كانت ترتجف خوفاً قائلة:- "لا تخافي يا حبيبتي، القصف بعيد" جلست مع الطفلة إيمان التي تبلغ عشرة أعوام في غرفة الألعاب، وحاولت تهدئتها بعد حين، لفت نظر الطفلة بيانو صغير، بدأت تعزف علية عزفاً جميلاً تحاول بكل طاقاتها الصغيرة الكامنة التغلب على مخاوفها. بدأت إيمان الحديث عن سبب مجيئها إلى العيادة في هذا اليوم قائلة:- "أنا بأخاف من القصف، كل ما بصير قصف، بأصرخ، بيصيروا إيدي ورجلي يرجوا، وما بأقدر أمشي بالمرة، من يوم القصف رجعت إللي كل التخيلات اللي صارت معي من سنتين، يوم ما لحقني كلب كبير ومسكني من أواعي، بأتخيل أشباح لها رءوس مشوهة وايدين كثيرة بتلحقني بدها تموتني، بطلت أعرف أنام، وصرت كل ما أفتح خزانة بأشوف ناس ميتين ملفوفين بالأبيض بيطلعوا من الخزانة وبيلحقوني بدهم يخنقوني، وكمان صرت أستحي من حالي لأني بأبلل حالي في الليل أمي بتعصب علي، ما كانت أمي عصبية هيك، إلا لما تزوج أبوي من واحدة تانية.

وبدأت الطفلة تمسح دموعها بيديها الصغيرتين وتكمل حديثها: " أنا بأخاف مش من هذه الأيام، أنا من زمان بأخاف، بأتذكر في هديك الانتفاضة، لما كانوا اليهود عند مسجد فلسطين، كان أبوي بيطبش على اليهود، وصار طخ كثير، قعدت أصرخ وأنادي على أبوي، أبوي ماسمعني، وبأتذكر ابن عمي "كان قدي صغير" تخبى تحت السيارة أنا حسيت حالي ضعت، ماعرفتش أرجع على دارنا، لكن بالآخر شافني ابن الجيران، حملني ووصلني على الدار.

وكانت ستي تحكي إلى ولاخوتي عن أيام الهجرة، لما كان اليهود بيقصفوا بالطيارات على الناس وهم ما شيين، وكيف اليهود قتلوا إخوة ستي في الجامع، ستي حكت إلينا كثير حاجات، وخفت أكتر لما حكت إن اليهود كانوا يفتحوا بطن الأم الحامل بالسكينة، طيب يمكن اليهود يعملوا فينا زي ما عملوا أيام ستي.

"أنا نفسي في حاجات كثيرة تتحقق": نفسي أطول، لأن البنات في المدرسة بيفكروني أصغر من سني، ونفسي أشتري بيانو وأعمل نظارة، وكمان أبطل أخاف، لكن أنا بأدرس في مدرسة الأقصى، طول ما أنا في الصف، وأنا بأفكر بالقصف، ما بأرضى أقول للمعلمة أنا بأخاف، لأنه بأحس حالي أنا بس اللي بأخاف.

توقف القصف، هدأت الطفلة وتم الاتفاق على خطة علاجية وتحديد موعد في القريب خرجت الأم والطفلة من العيادة، وبعد دقائق معدودة. تكرر القصف مرة أخرى وبصوت مدوي مرعب....!!!! مضى اليوم وأنا أفكر بهذه الطفلة "هل وصلت هي ووالدتها إلى منزلهم بخير؟؟!!" هذه الطفلة التي توارثت الخوف جيلا بعد جيل، ومازالت تعيش كغيرها من أطفال فلسطين واقعاً أليماً، كل يوم يمر يبعث من جديد الخوف والقلق يحضر صدمات نفسية في الماضي.

ولكن بالرغم من هذا كله، أطفالنا لديهم طاقات داخلية تساعدهم على مواجهة الصعوبات والمشكلات التي يتعرضون لها أكبر من تحمل أي طفل في العالم. وتبادر إلى ذهني سؤال إلي أي مدى يمكن مساعدة هذه الطفلة في ظل هذه الظروف الصعبة والتي يصعب فيها السيطرة على البيئة المحيطة والتي تفتقر فيها حتى إلى الأمان؟.