صراع الثقافات

قد نفهم بأن الإنسان قد يتصارع مع أخيه الإنسان، ونشاهد في التلفزيون في برامج عالم الحيوان كيف تتصارع الحيوانات على الفريسة ويكون الانتصار في النهاية للحيوان الأقوى.

وأيضاً تتصارع الثقافات محاولةً الظهور والسيادة، وقد لخص كل من بادلوف و إياب ماذا يجري عندما تتصل ثقافتين مع بعضهما البعض إذ أن هناك الاحتمالات الآتية:-
يحتفظ أفراد كل جماعة بثقافتهم قدر المستطاع.
الاحتفاظ بالثقافة الأصلية، والاستفادة من بعض الجوانب الثقافية الأخرى لدى الجماعة الآخرين.
يظهر لدى الأفراد في كلتا الجماعتين أنماط مختلفة من كلتا الثقافتين ويرى ديفرو بأنه إذا كانت جماعة ذات ثقافة معينة، تعجب بجماعة فإنها سوف تأخذ منها، أما إذا كانت تكرهها فإنها لن تكون مثلها ومن الجدير بالذكر انه في الماضي كانت عملية التفاعل بين الثقافات بطيئة، وذلك بسبب ضعف وسائل الاتصال، وأما الآن فاصبح العالم قرية صغيرة خاصة بعد اكتشاف الساتاليت والاستخدام الواسع للانترنت وبذلك أصبحت عملية الاتصال الثقافي ممكنة حتى وأنت جالس في بيتك. في خضم هذه الاختراعات، كان الصراع بعد الحرب العالمية الثانية بين الثقافة الرأسمالية، والثقافة الشيوعية واستمر ذلك حتى انهيار الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينات من القرن السابق. حيث خلع المواطن الروسي الثوب السوفيتي والأيدلوجية الاشتراكية، ولبس الثوب الأمريكي والتفكير الأمريكي00 الجينز، الهامبورجر، والمكرونا والديسكو والعربات الفخمة وبدأت انتشار الأفلام والمسلسلات الأمريكية، وهذا الامتداد الثقافي لم يقتصر على الاتحاد السوفيتي بل امتد إلى مختلف دول العالم ووصل إلى أسوار الصين، ولكن تصرف الصينيون بذكاء ليأخذوا من الثقافة الغربية أفضل ما فيها من التكنولوجيا بقدر مصلحته منها ويغلق على نفسه الأبواب، وكذلك اليابان تفعل نفس الشيء ويتطور البلدان، كل منهم محصن بثقافته وقوميته ويقف أمام المارد الأمريكي: أما العالم العربي، فكله يقف عاجزاً أمام المارد الأمريكي، وأخذ هذا المارد يقوى تدريجياً خاصة بعد سقوط فكرة القومية العربية، وبالذات بعد وفاة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وبقى الرمز الوحيد الذي يقاوم هذا الغزو الأمريكي هو الإسلام.

وكانت الحيلة للتغلب على الإسلام هي تشويه صورة الإسلام والمسلمين، وإلصاق تهمة الإرهاب والتطرف بالإسلام تارة والتخلف تارة أخرى. من المهم جداً مقاومة هذه المحاولة فالإسلام أبعد الأديان عن التزمت والتطرف وصحيح أن الجهاد أساس في العقيدة الدينية، ولكن الجهاد كفرض على كل مسلم هو الدفاع عن النفس، فمثلاً متى كان ينادي بالجهاد من المدينة المنورة، عندما كان يحاول الكفار مهاجمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما جهز أسامة بن زيد جيشه أوصاه الرسول صلى الله علية وسلم بألا يقتل طفلاً ولا امرأة ولا يقطع شجرة. التوبة، التسامح، التيسير، السلوك الاجتماعي، المفضل مع الجار وابن السبيل، وتجاه الفقراء المساكين هي سمات أساسية للإنسان المسلم. كذلك لم يضيق الإسلام على المرأة بل أعطاها مكانتها اللائقة بها فالمرأة في زمن الرسول صلى الله علية وسلم خرجت للحرب وكانت تعمل على إسعاف الجرحى. وكانت تجلس للفقه، وكانت شاعرة وأديبة. وبهذه المبادئ والمثل العليا بنى المسلمون حضارة عظيمة، في الوقت الذي كانت بها أوربا تعيش ليلاً مظلملاً وأشتهر علماء المسلمون في الغرب مثل ابن سينا، ابن النفيس، جابر بن حيان وغيرهم. إن علينا أن نفخر بما حققته الحضارة الإسلامية وما قدمته للإنسانية، ولكن هذا الفخر بالماضي لا يكفي، بل يجب أن نأخذ بأسباب الحضارة المعاصرة، في كل المجالات، كما ويجب ,أن نفهم ونحلل الأخطار المحدقة بالإسلام والمسلمين خاصةً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي كانت القشة التي قسمت ظهر البعير، فقد فجرت تلك الأحداث مشاعر قديمة، وكشفت جروح قديمه، لقد أدان جميع المسلمون قتل الأبرياء والمدنيين، إلا أن هذا لم يكن كافياً بل تغلبت على الحكمة والتعقل في حل تلك المشاكل ولتنشب بعد ذلك إلى حرب القرن. وعود على ذي بدء، شيء جميل أن تتصل الثقافات لتفيد بعضها البعض ولكي تبني الحضارة الإنسانية، ولكن الشيء البغيض، أن تتصارع الثقافات كما تتصارع الحيوانات في الغابة وتكون النتيجة هي الانتصار للأقوى وسط الغابة، فهل أصبحت الإنسانية تعيش في غابة؟ بقلم د. سمير قوته رئيس دائرة البحث العلمي ببرنامج غزة للصحة النفسية