|
قضايا و حوادث
حكاية طفولة معذبة.!
بقلم: محمد مخيمر
كان من الصعب على أن أجد بداية لوصف وكتابة كلمات تصف مأساة وجريمة بشعة كالتي أمامنا الآن، فعندما هممت بالكتابة وجدت نفسي حائراً، من أين أبدأ من حجم وهول الحدث؟ أم من المشاعر التي ألمت بنا جميعاً؟ أم بالكلمات والعبارات التي سمعناها في بيوت العزاء وفي الفصول الدراسية؟ ولكن أياً كانت البداية أو النهاية فالخسارة فادحة والجريمة قاسية ضد الطفولة والبراءة ، لقد كانوا خمسه أطفال: الشهداء محمد وأكرم الأسطل، وعمر وأنيس الأسطل، ومحمد سلطان الأسطل ذهبوا بلا عودة وتركوا خلفهم مائدة الغذاء بانتظارهم، وملابسهم وأحذيتهم وأقلامهم ودفاترهم التي سلمت من الحرق والتمزيق، وتركوا خلفهم أسرتهم وفراشهم مطوياً كما هو وتركوا خلفهم عيوناً حائرة لأصدقائهم وإخوانهم الصغار منهم من يتساءل: أين هم الآن؟ ومنهم من أيقن أنهم هناك في السماء في عالم أفضل من هذا العالم وأنهم لن يلتقوهم إلا إذا لحقوا بهم إلى هناك. كانوا في طريقهم إلى المدرسة، التقوا في الصباح محمد وأكرم وعمر وأنيس كعادتهم ليشقوا طريقهم بين البساط الأخضر للأرض في فصل الخريف ويلتقوا بصديقهم محمد سلطان الأسطل، وهم يحملون حقائبهم وقطعة الخبر، ويحملون لهذا الواقع أفكاراً ومشاعراً أفضل مما يحمل لهم، التقوا على عادتهم لقاؤهم الأخير، حيث تقدم إليهم محمد وكانت الخطوة الأخيرة فقد داس بقدمه على لغم أرضي زرعته أيدي الحقد والكراهية لينهي حياة خمسة أطفال مع سبق الإصرار والترصد، دوي صوت الانفجار وطارت الأشلاء الطاهرة ومعها دفاترهم وكلماتهم وأناشيدهم فمازال المكان يتحدث للزائرين عما حدث لهم، فقطع ملابسهم كما هي، وبقايا أوراقهم المحترقة، وآثار دمائهم على الأرض والزرع كذلك ذاكرة أهليهم وأصدقائهم وزملائهم الذين هرعوا إلى المكان وبدأوا يلملمون الأشلاء بمشاعر من الخوف والرعب والحزن والألم لقد وصف لنا الطفل محمد والبالغ من العمر 12 عاماً شقيق الشهيدين في الحدث قائلاً ( أصبحنا نجري في كل مكان ، كنت أبكي وأبحث عنهم، وكان اللي يصرخ من بعيد ويقول "هين راس واللي بيصرخ في هين يد واحد وواحد بقول هين في أصابع مش قادر أفهم كيف صار اللي صار في الليل وفي النهار فأتذكر آخر مرة شفتهم فيها لما طلعوا من الدار على المدرسة ولم ألحقهم أنا بدي انتقم وأعذب اللي قتلوهم). أم الشهداء تحدثت لنا عن طفلها أنيس واصفة إياه "على أنه كان اجتماعياً جداً. كنا نقول إنه أكبر من سنه، كان محبوباً من الكل لأن لسانه حلو، ويحب الضحك مطيعاً وهادئاً ولما سمعت الانفجار قلبي طار مني حسيت إنه أولادي أصابهم سوء، طلعت أجري، ولما عرفت أغمى علي ودخلت المستشفى، ومن هذه اللحظة لا بنام ولا بأكل،حاسة إنوا ضاع مني عقلي، راحوا ولادي ومش حيرجعوا تاني". كانت تجربتنا في بيوت الشهداء صعبة من حجم وهول الألم الذي خلفه الحدث على الآباء والأمهات والأخوة جميعهم يشعر بالحزن والخسارة، ومنهم من لا يستطيع النوم، منهم من يأكله الغضب وهو يفكر بالانتقام، ومنهم من يحلم بهم أو يشرد ذهنه مسترجعاً جداً ما حدث محاولاً فهم وتركيب أجزاء الحدث الصادم كذلك منهم من يحاول أن يثبت صورتهم في ذهنه لقد كانت الآثار النفسية التي خلفها الحدث مؤلمة فمنهم أيضاً من أحجم عن الذهاب للمدرسة ومنهم من يرفض الخروج من البيت أو يجد قدرة في استرجاع توازنه النفسي لكي يكمل واجباته المدرسية أو روتين الحياة اليومية المعتادة. بكتكم مدارسكم!! الآثار النفسية لم تكن أقل ألماً لدى مدرسيهم وزملائهم وأصدقائهم في المدرسة لقد توجهنا إلى مدرسة عبد الله صيام الابتدائية والإعدادية التي كانت تضم الشهداء في فصولها وكان الحزن والألم يعتصر قلوب المدرسين، وآلمهم ما رأوه حيث توجه الجميع إلى مكان الحدث بعد الانفجار مباشرة، فمنهم من لم يتمالك نفسه في البكاء ومنهم من حاول أن يمنع الأطفال من الاستمرار في الوجود في المكان، أغلقت المدرسة أياماً حداداً على الشهداء وأقاموا بيتاً للعزاء في المدرسة، وكانت مبادرة ايجابية من إدارة المدرسة التي سمحت للطلاب بالتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم حول الصدمة من خلال بعض الأنشطة الجماعية. قمنا بالتدخل مع الطلاب الذين رافقوا الشهداء الخمسة داخل فصولهم، ففي فصل الشهيد محمد الأسطل وجدنا صورته وقد زينت الجدران كباقي أركان وفصول المدرسة التي زينت بصور الشهداء الخمسة، ووضعت صورته على مقعده الدراسي الخاص به، حيث بدأ الأطفال في وصف الحدث ومدى تأثرهم به، زميله وصديقه "علي" تحدث قائلاً: كنا دايماً نلعب مع بعض، وكنت رايح على المدرسة لما سمعت الانفجار ورحت أجري وكل الشارع كان يجري محل ما انفجر اللغم، لقيت في جوره والناس طالعين فوق ولقيت دم وشفت نص كتاب محروق لمحمد، وقطع لحمة ودم وشعر محروق، كنت مش عارف إيش أعمل وخايف، ولما روحت على الدار ظليت أفكر في اللي شفته، ولم آكل ولم أنام وصرت أبكي في الليل، وإلي الآن مش قادر أنسى اللي شفته يوم الانفجار وبقول محمد الله يرحمك وإنشاء الله كلنا زيك". زميله اياد الذي كان يبدو عليه التأثر الشديد، قال لنا "كنا متخاصمين أنا وإياه، ولكن كنا بدنا نتصالح بس هو استشهد الله يرحمه لما رحت هناك شفت راس محروقة معرفتش لمين، وصرنا ندّور على اللحم في الزرع واحنا بندور شفت يد مقطوعة فيها ساعة، وصرت أصرخ وأجري لما أبعدت عن المنظر، صرت أخاف أمشي من نفس المنطقة اللي صار فيها الانفجار وكل ما بتذكره بصير أبكي وأنا بدي منه يسامحني لأني بحبه، وإنشاء الله بلحقه على الجنة". في نهاية تدخلنا مع زملاء محمد وأصدقائه قاموا بكتابة رسالة وجهناها له عبروا فيها عن حزنهم الشديد وآلامهم بالخسارة ومنهم من قال له: الله يرحمك يا محمد، أنا بهنيك بالشهادة وأتمنى أن أصير شهيداً زي ما صار فيك، وآخر أضاف: "أتمنى له الشهادة وإنشاء الله بصير زيك، سامحني على المشكلة اللي صارت وحقك علي" وأضاف آخر متأثراً باكياً أنا يا محمد سوف أعطي النص شيكل اللي بدك إياه مني إلى الفقراء على روحك، أنا معرفتش لمين أعطيها بس أبي قال لي أعطيها لفقير على روح محمد، سامحني أنا زعلان إنك مش معنا، الله يرحمك وأتمنى أن تكون بخير. بكلمات بسيطة ورسومات حزينة عبروا عن ذكرياتهم المؤلمة، وعبروا عن مشاعرهم بالفقدان وأيضاً مشاعر الانتقام والثأر ومن خلال حوارنا معهم عكسنا لهم كوسيلة تعليمية نفسية مشاعرهم وأفكارهم وهواجسهم وبشرناهم إنشاء الله بغد ومستقبل أفضل. |