|
قضايا وحوادث
ذئب في صورة عم .. والضحية طفلة !!
حضرت إلى العيادة برفقة والدتها وهي تهذي بكلام غير مفهوم .. تارة تغني . أخرى تبكي .. وهي تتحرك من مكانٍ لآخر دون أن تستقر في مكان واحد. دخلت معها إلى غرفة العلاج ورافقتنا والدتها التي تبدو سمات القلق والخبرة على محياها .. بدأت أعرف على نفسي ومهنتي وتعرفت على مريضتي الصغيرة كما تقتضي أصول العمل .. ثم بدأت بالحديث معها بسؤالها عن بضعة أمور شخصية حتى أفتح المجال للحديث ثم إنتقات إلى سؤال الام عما أصاب صغيرتها فأجهشت الام بالبكاء والنحيب وتركت لها العنان لتبكي وتغسل ما بصدرها من هموم وأحزان، ثم ساد الصمت برهة وقطعت حادز الصمت ببضع كلمات لأهون على السيدة مصابها وأنما أشعر ما تشعره كأم عندما يسقط طفلها صريع المرض.. فما بالكم بأم تعاني طفلتها التي لم تتجاوز الثانية عشرة عاماً من أعراض نفسية وتهذي بالكلام وتأتي بسلوكياتا غير مقبولة. خرجت تنهيدة عميقة من صدر الأم كأنها إخترقت أحشاءها وإنتقلت إلى صدري وإستقرت هناك، ثم بدأت الأم بالحديث عن الحادث الرهيب الذي تعرضت له إبنتها وعن الذئب البشري الذي حاول أن يعتدي على طفلها ويسرق منها براءتها وطهارتها خاصة أن ذلك الذئب هو عمها الذي تحبه حباً جماً وتفضله على والدها وتعتبره الأخ الأكبر الذي لم تستطع والدتها أن تنجبه.. والذي تنتظر عودته مساء كل يوم لتعانقه وتحكي له أحداث يومها ةتستشيره في خصوصياتها وتبكي على صدره عندما تغضب.. لذا لم تتحمل هول الصدمة عندما بقيت مستيقظة حتى ساعة متأخرة من الليل في إنتظار عودته في تلك الليلة وتبعته إلى غرفة نومه كعادتها عندما يأتي متأخراً ويتجه إلى غرفته على أطراف أصابعه حتى لا يوقظ أهل البيت .. وبدأت تسرد عليه القصص والأحاديث الصغيرة كعادتها فطلب منها أن تخفض صوتها وأن تجلس بجانبه على السرير حتى لا يصل صوتهما إلى مسامع الجميع .. ففعلت ما طلبه منها وأحاطها بذراعيه بشكل يختلف عما كان يفعل دائماً، وكانت نظراته حائرة وحذرة في نفس الوقت وتوحي بالريبة والخوف.. وبدأ يسمع كلمات تؤكد مدى حبه لها وتعلقه الشديد بها .. حيث كان يحتضنها بشدة .. وبدأ الحديث معها عن رغبته بالتحدث إليها لأنه أفضل من يستمع إليه .. فهي بالرغم من صغر سنها إلا أنها إنسانة ذكية وتتفهم مشاعر الآخرين بسهولة. وعندما حاولت الطفلة التخفيف عن عمها متأثرة بكلامه وقالت له: "إني أسمعك جيداً وأتفهم لمشاعرك"، ضحك في وجهها ضحكة غدر وحاول جذبها إليه قائلاً: إقتربي مني حبيبتي لأتمكن من التحدث إليك بوضوح .. فحينها شعرت الطفلة بالخوف ودفعته بقوة وصرخت في وجهه وخرجت من الغرفة مسرعة وهي تبكي.. وظلت طوال الليل وهي مستيقظة ومتحفزة وبقيت على هذا الحال لمدة اسبوع كامل حيث أنها لا تأكل ولا تنام ولا تخرج من غرفتها ولا تتحدث مع أحد مطلقاً .. وطوال الوقت كانت تهذي وتشتم وتبكي بشكل مستمر وبعد محاولات عديدة من والدتها لمعرفة ما أصابها أبلغت الطفلة والدتها بما حدث معها من عمها. وظلت الطفلة على هذا الحال لمدة أسبوع كامل ذاقت أسرتها من العذاب دون أن تقدر على فعل أي شيء لطفلتهم لدرجة ان والدها كان يقول " مستعد لبيع كل ما أملك مقابل أن تنام هبة أو تستكين ولو لساعة واحدة فقط في اليوم" بالتأكيد لم يكن أمام أسرتها إلا إصطحابها إلى المشايخ والدجالين لمعرفة ما حدث لطفلتهم أو ما يمكن فعله لتهدئتها وجعلها تعود لطبيعتها كما كانت .. ولكن باءت كل محاولاتهم بالفشل ولم يزدهم ذلك إلا إحباطاً ويزيدها هي هيجاناً.. وحتى تم إحضارها بصحبة والدتها إلى عيادة الصحة النفسية .. حيث كان من الصعب بداية إجراء مقابلة مع الطفلة أو حتى مع والدتها المنهارة تماماً، فقد كانت الطفلة تحاول قطع الحديث بشكل متواصل مع والدتها وكانت طوال الجلسة تشتم على والدها وتتحدث بأحاديث غير مترابطة ولا حتى مفهومة .. وبعد إعطائها العلاج الدوائي وتحديد موعد للجلسة القادمة التي تم من خلالها الإستماع إلى المريضة وتركها تعبر عن كل ما يدور بخاطرها ومنحها فرصة للرسم والمكوث في غرفة الألعاب لفترة معينة .. تم كشف النقاب تدريجياً عن مشكلتها والتي أصبحت تتحدث عنها بشكل واضح مفهوم .. وبالطبع فإن والدتها طلبت منها عدم التحدث بهذا الموضوع أو البوح به أمام أس شخص من أفراد العائلة لأنهم لن يستطيعوا فعل أي شيء لذلك المجرم أو حتى التحدث إليه لعدم إثارة المشاكل والخلافات في العائلة. وبما أن ما يعنينا هو المريضة ومصلحتها الخاصة .. فقد تم التركيز عليها بشكل مركز حيث أنها بعد عدة جلسات علاجية أصبحت أقوى من السابق وأخذت الأعراض الذهانية الحادو بالزوال ، وقد بدأت الطفلة بممارسة حياتها الطبيعية وكفت عن التحدث عن المشكلة أو التفكير فيها .. وإن كانت هذه نهاية قضية "هبة" التي وجدت بعض الدعم والمساندة في التخلص من مشكلتها .. فماذا تكون نهاية غيرها من الطفلات البنات واللواتي يتعرضن وبشكل يومي للإعتداءات مماثلة ؟! |