بقلم: عايدة مسعود
من بين المآسي أماه .. لا نقول وداعاً!

خطواتّ ثقيلة جداً، وكأن المسافات تتباعد كلما اقتربنا ، وعلى حافة الطريق وقفت العائلة تنتظرنا، وجوههم حزينة ، ملامحهم توحي بالحيرة والملل ، تثاقلت خطانا أكثر كلما اقتربنا ، حتى شعرت وزميلتي بأننا نسير على أقدامنا منذ ساعات وساعات ، هم يدركون جيداً سبب مجيئنا . استوقفتني فجأة تلك الحيرة التي تبعثرها عيون هذا الشاب الذي يبلغ من العمر ثماني عشرة عاماً، عندما استقبلنا باحترام، فجلسنا بالقرب من مكان الجريمة ، المكان الذي قتلت فيه أعز الناس على قلوبهم ، والدتهم الحبيبة ، قتلت على أيدي سفاحين استهانا بشهادة الله عليهم ، والذي أوحى إليهم بالتسمر في مكانهم وعدم الهرب بعد انتهائهم من جريمتهم وسط الصراخ والعويل . لم ترتكب تلك المسكينة أي ذنب كي تعاقب عليه بفراقها الأبدي لأطفالها وبيتها وحياتها . جلس الجميع حولنا وقد خيم صمتّ طويل ، سطرت بين ثناياه أقسى الكلمات وأبشعها ، ذلك بعد أن عرفنا بأنفسنا وطبيعة عملنا وسبب زيارتنا المفاجئة لهم .. يقول زوجها الذي لم يكن حاضراً في البيت تلك الليلة : كان كل شئ جميل قبل عدة أيام ، وكانت الأمور كلها على ما يرام ، الآن أصبح كل شئ غير طبيعي ومريب . كان أول من رأى تلك الجريمة البشعة إبنها الذي يبلغ من العمر الثامنة عشر من عمره ، يقول : خرجت أنادى عليها لتتناول عشاءها حيث تسقى الزرع والنخيل كعادتها في تلك الساعة ، لأن المياه لم تكن تأتينا إلا في تلك الساعة المتأخرة من الليل ، فرأيتها مستلقية غارقة بدمائها فلم أصدق ، اقتربت لأتأكد ، نعم هي ، أمي يا خلق الله ، ماذا أفعل ؟ هل أوقظ أهل الكون لينقذوها ، ومن سينقذها ويعيد لها حياتها ن هل أسألها ماذا جرى لك ، فأسرعت إلى البيت بفزع أصرخ وأنادى على أخوتي ، فخرجوا جميعاً ، ووقفوا مندهشين لم يبك أحد في تلك اللحظة وكأنهم غير مصدقين رغم رؤيتهم الحقيقية لها ، أسرعنا نحملها إلى داخل البيت ، واتصلنا هاتفيا بأخوالي ، ومن ثم الاتصال بالمباحث الجنائية ، وفى خلال ساعة فقط كان المكان يضج برجال الشرطة والمباحث ، وتم القبض على منفذي الجريمة والممثلين لأبشع سمات اللاإنسانية، وبعد إخضاعهم للتحقيق اعترفا مؤخراً بأنهم ارتكبا جريمتهم البشعة لتيقنهم بأن المرحومة قد كشفت سراً يدينهم أمام الله والقضاة قبل وفاتها بعدة أيام فقط ، فتربصا لها كي يقتلاها ويقتلا بذلك السر الذي حملته على هؤلاء الأشرار من البشر ، وحسب ما أفادتنا به المصادر الرسمية وعلى لسانهم أثناء التحقيق فإن هذين الرجلين وغيرهم يسكنا قريباً من المجني عليها ، وقد عرفت عنهم المرحومة بأنهم متورطون بجرائم عدة منها ، الإتجار بالمخدرات ، والعلاقات الجنسية الشاذة والمحرمة . بكت الدنيا كلها عندما بكت الطفلة إسراء ،البالغة من العمر ثمانية أعوام فقط ، رأت أمها قتيلة أمام عينيها ، ومنذ تلك اللحظة يقول والدها بأنها لا تتحدث كثيراً مع أحد ، لاتلعب كما كانت ، عيناها دائماً شاردتان ، وكأنها تخرج يومياً تبحث عن أمها في عالمها البرئ ، فاحتضنتها زميلتي وهى تهمس لها بحنان أين ماما ؟،،فردت الطفلة بكل ثقة وتأكيد في الجنة حبيبتي ، هل تعرفين الجنة ؟ ماذا يوجد فيها يوجد فيها فقط ماما . ثم التفتت إلى بعينين حزينتين تتوسلان إلى بشيء ما . أما الطفلة التي تبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً والتي لم تستطع البقاء في البيت الذي يذكرها بغدر أمها فأخذها خالها لتعيش معه ، ومع أنها بعدت كثيراً عن المكان ، لكن الحادثة كانت دائماً حاضرة أبدية لا تختفي من ذهنها ولو للحظات ، وكل ليلة تنهض مفزوعة تبكى وتصرخ ولا تستقر على حال ، وتسأل كثيراً في أمور غيبية ، ويقول خالها : إن سلوكها أصبح غير مستقر على حال .

جميعهم رأوا الجسد الطاهر ملطخاً بدم الغدر والحقد ، يقول إبنها البالغ من العمر الثامنة عشر وهو توأم لأخيه الآخر : حتى الآن لا نصدق ما حدث ، نستحضرها في كل جلسة وكل حديث ، وجميعهم بين الحين والآخر يشيحون بوجوههم إلى ذاك المكان المشئوم وكأنهم يتوقعون شيئا ما ، يتوقعون أن تأتى إليهم بإبريق شاي أو صينية طعام . إن مرد هذا الإحساس يعود إلى مدى عمق الشعور بالأمن قبل تلك الحادثة ، ومدى عمق البنية الاجتماعية لأفراد تلك الأسرة والذي استمدوا منه جزءاً أساسياً من توازنهم الإنساني والعاطفي والنفسي والقيمى والشخصي ، والآن وقد اخترقت تلك الحادثة البشعة في ذهن هؤلاء الأطفال وبكل قسوة كافة القيم الإنسانية وبدون أي رحمة لتعزز بدلاً منها كل مفاهيم الاغتراب والوحدة ، واليتم ، والألم ، والرفض ، والخوف من المستقبل ، والذكريات المؤلمة والمكان الأزلي ، وبتر الأمل والطموح ، ومع أن كل تلك المفاهيم قد تجاوزت الحوار بالكلام فإن جلستنا مع تلك العائلة كانت أطول من أي حوار ، لأننا نشعر دائماً أكثر مما نتحدث . كم مؤلم أن تصحو الطفلة كل يوم وتذهب إلى المكان الذي رأت فيه أمها آخر لحظاتها علها تجدها قد عادت . كم مؤلم أن يتخلى كل أبناؤها عن آمالهم وطموحاتهم ليستسلموا فقط للحزن واليأس . كم مؤلم أن يعجز الزوج عن التعبير عن جرحه العميق فيصمت ويترك العنان لعينيه كي تعبران بأصدق وأسمى مشاعر الحب والوفاء . أنهيت وزميلتي تلك الجلسة وبدأنا نودعهم بكلمات العزاء والمواساة وبدأنا نسير عائدين بخطى أثقل بكثير من قدومنا ، وفى الطريق أخذت كل واحدة منا زاوية داخل السيارة التي كنا نستقلها وأخذنا نتأمل البحر والطريق في صمت وعمق . لم تتحدث إحدانا مع الأخرى ، إلا في نهاية الطريق ، فكلتانا تعرف ما تفكر به الأخرى ، وكلتانا تعرف ما هو الدور الذي سنقوم به، فحماسي ورغبتي في مد يد العون لهؤلاء الناس لا يقل أبدا عن حماس زميلتي الأخصائية النفسية لمشروع دعم وتأهيل المرأة / التابع لتلك المنطقة من عزم وإصرار على أن يكون التدخل مع تلك الأسرة سريعاً ومكثفاً وشاملاً لكل أفرادها .