الصهيونية والعنصرية د. أحمد أبو طواحينه

إنعقد خلال هذا الشهر المؤتمر الخاص بالعنصرية في مدينة دوربان بجنوب أفريقيا، ولقد أثار إنعقاد هذا المؤتمر ضجة عالمية لم يثرها مؤتمر آخر من قبل، والسبب الأساسي في ذلك أن المؤتمر أخذ على عاتقه قضية أممية غاية في الحساسية والصعوبة، وحساسيتها وصعوبتها تنبعان من أن القضية هذه متعلقة باليهود، وكما نعلم جميعاً فإن الأمر حين يتعلق باليهود فإنه يتوجب على الجميع أن يخضعوا لإملاءات اليهود العنصرية، فالمنطق الصهيوني هو منطق عنصري في أساسه، الأمر الذي عمل منظمو المؤتمر سابق الذكر على إبرازه من خلال تبنيهم الموضوع الخاص بمساواة الصهيونية بالعنصرية، فالإنسانية جمعاء معنية بإستئصال الميول والتواريخ العنصرية من أجل حياة أفضل، وقد سبق للكثيرين أن جاهدوا في سبيل هذا الهدف مثلما حدث في المعارك الكثيرة ضد الرق والعبودية وتصنيف الأجناس ودعاوى التفوق متعددة المنطلقات.

والأمة العربية هي المتضرر الأول من تجليات العنصرية الصهيونية التي إضطلعت إسرائيل بتطبيقها ، وهو أمر شائع يعرفه كل من تابع تاريخ الصراع الصهيوني العربي منذ بزغ نجم الصهيونية السياسية في نهاية القرن التاسع عشر.

وهناك من يزعم بأن المضامين العنصرية للكيان الصهيوني القائم حالياً مبعثها صيرورة الصراع مع العرب فقط لا غير، إلا أن هذا الزعم مردود عليه، ذلك أنه من الأكيد وجود مصادر تغذي البناء النظري الصهيوني بأبعاده العنصرية÷ وعليه فإنه يتوجب علينا نحن العرب أن نعمل على إستجلاء العلاقة والصلة بين مسار الصراع العربي الإسرائيلي ومسار العنصرية الصهيونية، فالمسار الأول لا يصبح في هذه الحالة المسؤول عن المسار الثاني، بل العكس هو الصحيح أي أن الصراع مرتبط بالعنصرية الصهيوينة إرتباطاً وثيقاً.

إلا أن الصهاينة عملوا على تضخيم البعبع العربي بغرض تمرير مخططاتهم وتبرير أفعالهم البربرية والمعادية لكل معاني الإنسانية.

والسؤال الذي يطرح نفسه .. ما هي المصادر التي إستقت منها الصهيونية جوهرها العنصري؟ حقيقة الأمر أن تلك المصادر عديدة منها ما هو ديني توراتي ومنها ما هو إستعماري ومنها ما هو عرقي، فبينما يؤكد العلم أهمية عوامل البيئة والإختلاط بين السلالات من تعديل وتطوير للخصائص الموروثة، إلا أن اليهود عمدوا إلى الإهتمام بمفهوم الخصوصية والإنفراد العرقي، فهم شعب الله المختار كما يزعمون، فهو شعب إصطفاه الإله وخيره عن بقية الشعوب والأجناس والمخلوقات غير اليهودية، وبذلك إمتدت عنصريتهم لتشمل الخالق (سبحانه وتعالى)، فالرب حسب وصف اليهود هو رباً عنصرياً منحازاً لبني إسرائيل ضد باقي البشرية.

وعندما تدعي الحركة الصهيونية أنها ليست حركة عنصرية طالما أنها تسعى لتحرير اليهود من الذين أذاقوهم الأمرين بعنصريتهم كالنازية، فالصهيونية عندما تفعل ذلك إنما تبدو متسقة مع ذاتها، لأن عنصريتها لا تتأتى من مزاعم لون الشعر والبشرة والأصل العريق بالمعاني التي تزعمها العنصريات الأوروبية الأخرى. إنها عنصرية بمعنى ومضمون ليس لهما نظير تقوم على خصوصية لا يستطيع أي جنس آخر إدعاءها، إنها خصوصية آلهية تقرها لهم توراتهم المزيفة.

أما على الصعيد الإستعماري فقد دفع الفلسطينيون ثمن عنصرية الإستعمار الصهيوني، حيث إستمدت الصهيونية أفكارها الإستعمارية من تلك الأفكار التي ولدت من رحم الأفكار العرقية العنصرية التي إجتاحت الساحة الأوروبية منذ ما يزيد على مائتي عام. فمثلما كان الشعور بالتفوق الأوروبي هو الخلفية الذهنية للإستعمار بأنماطه فإن إستشعار الصهيونية للتمييز والتفوق اليهودي كان المبرر لإستباحة الإستعمار الصهيوني فلسطين وجوارها، فالإستعمار الصهيوني الجاثم على أرض فلسطين هو من أبشع أشكال القبح العنصري الذي لم يشهد له التاريخ مثيلاً، ولقد تماثلت الصهيونية في فكرها مع المستعمرين الإستيطانيين الذين ترتب على إنتشارهم إما إستعباد الشعوب بالكامل أو إبادتها تقريباً بالكامل، حدث ذلك في الأمريكتين وأستراليا وجنوب أفريقيا وما زال يحدث في فلسطين.