قضايا وحوادث
لأن والدته معتقلة سابقة في السجون الإسرائيلية
رفض الجنود وصول محمد إلى المستشفى .. فبترت ساقيه!
عندما تستمع إلى صوتها تشعر من خلاله بالحزن والأسى الذي يرتسم على ملامح وجهها عبر الأيام، كباقي أبناء هذا الشعب الذي ذاق ألوان العذاب والمعاناة، فهي واحدة من هؤلاء الذين لم يبخلوا بأجمل أيام حياتهم، لتدافع عن قضية آمنت بأن الجميع يجب أن يتقدم للدفاع عنها، إنها الأسيرة المحررة "نجوى محمد دردونة" 26 عاماً من حي السلاطين شمال غزة، التي اعتقلت عام 1992 ومكثت عام ونصف في سجون الاحتلال عانت خلالها شتى أنواع التعذيب النفسي والجسدي، وويلات البعد والفراق عن زوجها وطفلها "محمد" الذي كان يبلغ من العمر عامان عند اعتقالها، في اول زيارة لها بعد انتهاء التحقيق رفض محمد التعرف عليها أو الاقتراب منها لتصاب بصدمة على اثر ذلك وتطلب من زوجها وأهلها بأن لا يحضروه للزيارة، واستمر ذلك لمدة ثمانية أشهر، بعدها حضر محمد للزيارة فحاولت إغراءه بالكلام الجميل والحلوى التي كانت تشتريها بجميع النقود التي لديها حتى يفرح محمد ويتقرب منها.
خرجت نجوى من المعتقل لكن المعاناة لم تتوقف عند هذا الحد فبعد خروجها من السجن بستة أشهر، يتجدد الإبتلاء والمعاناة وتشتد المحنة، لتستيقظ في منتصف الليل وزوجها على صراخ محمد الذي أصبح عمره 4 سنوات، ليجدوا انتفاخاً في قدميه وتحولهما إلى اللون الزرق، ذهبوا به مباشرة إلى مستشفى النصر للأطفال، ليمكث هناك بضعة أيام دون أن يستطيع الأطباء بكل ما فعلوه من جهد معرفة سبب هذا التورم والازرقاق، قرروا بعدها تحويله إلى مستشفى المقاصد على وجه السرعة، وتمت إجراءات الدخول لحاجة الطفل إلى العلاج السريع.
استعدت الأم والأب للذهاب معه في سيارة الإسعاف، وعند وصولهم الحاجز العسكري عند معبر إيرز فوجئوا بمنعهم جميعاً من الدخول لأسباب أمنية، وذلك لأن الأم كانت معتقلة، طالبت الوالدان بالسماح لطفلهما فقط بالدخول عبر سيارة الإسعاف ولكنهم رفضوا ذلك.
عاد محمد وعائلته ليزداد الألم ويصرخ محمد من شدته ويقول: إقطعوا قدماي حتى ارتاح من هذا الألم، ولتتجدد معها الاجراءات والمحاولات من جديد لدخول محمد مع جدته، ويصل بعد معاناة إلى مستشفى المقاصد متأخراً، ليكتشفوا أن لديه جلطة في الأوردة العميقة بالأطراف السفلية في قدميه، يتقرر على اثر ذلك بتر القدمين من أسفل الركبة حفاظاً على حياته.
تقول والدة محمد: إن الطبيب المعالج في مستشفى المقاصد أخبرهم بأنهم لو استطاعوا إيصال محمد في الوقت المناسب لكان بالإمكان إنقاذ ساقيه.
مكث محمد في مستشفى المقاصد ستة أشهر، عاد بعدها إلى بيته في غزة ليتابع العلاج هناك، حيث ظهرت عدد من المشاكل في ساقيه.
كانت الأسرة تعاني ظروفاً اقتصادية قاسية جداً، ولكنهم للأسف لم يتلقوا الاهتمام الكافي من العديد من المسئولين الذين توجهوا إليهم، في هذه الفترة قام أحد المتخصصين في انتاج الأفلام الوثائقية، بانتاج فيلم عن محمد وعائلته، لتعلم بهذا الموضوع احدى الصحف وتنشره، ليصل الأمر إلى رئيس السلطة الفلسطينية الذي أمر بإرسال محمد للعلاج في الأردن على نفقة السلطة الخاصة وإيجاد وظائف للاب والأم، وفي الأردن قرر الأطباء بعد إجراء الفحوصات اللازمة للطفل محمد بتر جزء اخر من قدميه فوق الركبة، ويمكث أربعة أشهر من العلاج، يتم بعدها تركيب جهاز في قدميه ليسهل عليه المشي.
محمد يعيش الآن مع والديه واخوته الثلاثة، يحاول التعايش مع هذا الواقع المؤلم، يمرح ويضحك، يذهب إلى المدرسة كباقي الأطفال، يلعب في الحجارة مع اخوته، لديه طموح وأمل كبير، تقول والدته عنه: إنه ذكي جداً ونحن نعتمد عليه عندما نخرج من المنزل أنا ووالده في رعاية اخوته، يحاول دائماً مساعدتي في أعمال المنزل، لكنني خائفة عليه جداً هذه الأيام، لأنه يقوم في الليل مفزوعاً وهو يصرخ، فمحمد إلى جانب معاناته يعيش بالقرب من مواقع السلطة الفلسطينية التي تعرضت في الفترة الأخيرة إلى القصف بالصواريخ والطائرات من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وتقول الأسيرة المحررة نجوى في نهاية حديثها: ما أتمناه في حياتي مساعدتي في توفير أطراف صناعية حتى يتمكن محمد من ممارست حياته بشكل طبيعي كباقي الأطفال.
قصة محمد مثال حي على الانتهاكات والممارسات التي كان ولا يزال يواجهها شعبنا الفلسطيني على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي، والتي وصلت حد الموت على الحواجز أو تدهور حالة المرضى الصحية لعدم إمكانية الوصول إلى المستشفى.