أدب الخلاف وإيجابياته

بقلم/ عبد الحميد عفانة

أينما وجد الإنسان وجدت المشاكل و الاختلافات في وجهات النظر الكامن منها و الظاهر للعيان ، فنرى مثلا:ً هذه الاختلافات بين الأخوة، أو الأزواج، أو الوالدين ، أو الأصدقاء وغيرهم ومثل هذه الاختلافات إن لم يتم تقبلها و مناقشتها بعيداً عن العواطف و الأهواء الشخصية فإنها تؤدى إلى ضرر جسيم على المدى البعيد فى العلاقات بين الأفراد، و الأمثلة على مثل هذه الاختلافات فى الرأي كثيرة حيث و تعتبر بعض المؤسسات الاجتماعية أرضا ًخصبة للتنافـس و المشاحنات العالية مثل النوادي و الجمعيات و المؤسسات المهنية التي كانت ولا زالت مسرحاً للصراعات بين الأفراد.

و تتصاعد وتيرة هذه الاختلافات في أماكن العمل و في كثير من الأحيان تكون على جميع المستويـات، بغض النظر عن المهنة أو اللقب الوظيـفي فنجدها بيـن العمال أنفـسـهم و المهنييـن و المشرفيـن و المديرين و التي تؤدى إلى هدر الجهـد و الوقت و المال، فمن يفكر كيف يكون هو وحده الفائز و كيف يصل لهدفه و يثبت لنفسه و لمن حوله بأنه هو الأقوى فيهدر وقتـه ووقت من حوله في حيـاكة الخطط و الوسائل للوصول للهدف حتى لو كانت على حساب الطرف الآخر مما يجعله خاسراً.

و هنا ينتقل الأمر من دائرة الاختلافات و التنافس الشريف الى صراع من أجل المصالح الشخصية ومجالاً للتنافس غير الشريف الذي يتنافس فيه الطرفان على تحقيق هدف يخدم المجتمع دون أن يسبب أحد الأطراف الأذى و الضرر للطرف الآخر، أو أن تكون مكاسب أحدهم على حساب الطرف الآخر، و فى مثل هذه الحالة تكون هناك المكاسب الشخصية للطرف الأول بمثابة حافز للطرف الثاني للتقدم و الرقي.

و كثيراً ما نجد مثل هذه الأمثلة في المؤسسات و الدوائر العلمية و الخدماتية فمن يحصل على درجات و شهادات علمية و له إنجازات واضحة في عمله و مجاله فإن درجاته الوظيفية تزداد ، و هنا نجد أن الكثير من العاملين ممن يتمتعون بروح المنافسة الشريفة يسعون لإكمال تعليمهم لكي يحصلوا على درجات عليا و بالتالي فإن مثل هذا التنافس مطلوب لتحسين الخدمات المقدمة و التي تعود بالفائدة على الفئات المستهدفة بالخدمة أولاً و من ثم علي الشخص نفسه الذي يرتقي في سلمه الوظيفي و دون أن يسبب أذى للآخرين.

و السؤال الذي يطرح نفسه: هل الاختلافات فى وجهات النظر لها فوائد ، و إن كان كذلك فما هي؟

في هذا السياق أجاب مختصو الصحة النفسية على مثل هذه التساؤلات بالرغم من الجوانب السلبية للصراعات و النزاعات فإنه من الممكن أن يكون لها جانباً إيجابياً مثل" تعزيز الاتصال و حل المشكلات" ففي كتابه " الحب و الصراع" يعتبر عالم النفس الأمريكي وينز بأن العائلات بحاجة إلي اختلافات في وجهات النظر بين الأفراد و بين الزوج و الزوجة و مواجهة مثل هذه الاختلافات على مختلف المستويات النفسية و الجوهرية، و عدم إحباط مثل هذه المشاعر أو كبتها و إخراجها لاحقاً بصورة عشوائية و عدوانية و التي من الممكن أن تكون مدمرة حيث أن إخراج مثل هذه المشاعر و التحدث عنها حال تكونها و بصورة علنية بين الطرفين و بأسلوب الحوار أفضل بكثير من كبتها منعاً لتفاقمها كأنه عندما تتفجر فمن الممكن عدم التحكم بها أو بالمضاعفات التي قد تنتج عنها.

إن وجود الخلافات في وجهات النظر في الأسرة و التعامل مع هذه الوجهات بالطرق السليمة و الديمقراطية و القائمة على احترام وجهة نظر الآخر حتى لو كان هناك تعارضاً في وجهات النظر واضعين في الاعتبار بأنه في حال حدوث هذا التباين من الممكن أن يربح الطرفين و لا يوجد طرف خاسر و طرف رابح، فان هذا يساعد على نمو الشعور بالثقة بالنفس عند الأطفال و تساعدهم على مواجهة و حل المشاكل التي تواجههم . و الأسرة الساكنة الى لا يحدث فيها تباين في وجهات النظر و مناقشة هذه الوجهات بالطرق السلمية و الديمقراطية يتصف أطفالها عادة بالخضوع و عندما تواجههم أي مشكلة في المستقبل يكونون على مستوى أقل من غيرهم في حل المشاكل و الخلافات التي تواجههم.